بينهن من تلد على ضوء هاتف، وأخرى تبحث عن ماء نظيف لطفلها، وتعد ما تبقى من الطحين لأيام قاحلة.. هذا هو بعض ما تختزنه عبارة معاناة نساء غزة، وهي عبارة لم تعد توصيفاً إنسانياً فقط، بل عنواناً مكثفاً لسياسة استهداف تطال الجسد والبيت والعائلة والذاكرة معاً.
في غزة، المرأة الفلسطينية أحد شواهد الإبادة الجماعية التي قامت بها إسرائيل في غزة. المرأة الفلسطينية التي ذاقت ويلات الإجرام الصهيوني في القطاع بفقدان الأولاد والأزواج والأهل، ومن غياب الخصوصية، وفقدان السند، وتراكم الخوف على الأبناء. المرأة هنا ليست هامشاً في المشهد، بل في قلبه. تتجرع آثار القصف والنزوح، والانتظار، ومحاولة ترميم حياة يجري تدميرها على دفعات.
معاناة نساء غزة ليست تفصيلاً جانبياً
حين يُختزل الحديث عن العدوان في خرائط عسكرية أو أرقام دمار، تضيع حقيقة أساسية: النساء في غزة يواجهن حرباً مركبة؛ هناك الخطر المباشر من القصف، وهناك عبء الرعاية الذي يتضاعف مع كل انهيار في الخدمات، وهناك أثر نفسي واجتماعي طويل الأمد لا ينتهي مع توقف النار. لذلك فإن النظر إلى معاناة نساء غزة بوصفها ملفاً إنسانياً ثانوياً يكرر الظلم نفسه، لأنه يفصل بين الجريمة ونتائجها اليومية داخل البيوت ومراكز الإيواء والمستشفيات.
المرأة الغزية تُدفع الغطرسة الصهيونية حين تكون في بؤرة الاستهداف. تصبح مسئولة عن حماية الأطفال، وتأمين الحد الأدنى من الطعام، ومتابعة المرضى وكبار السن، ومواساة المفجوعين، وإدارة تفاصيل البقاء في ظروف لا تصلح للحياة. هذا كله يجري بينما تكون هي نفسها مهددة بالموت أو الإصابة أو الفقد.
الحرب على البيت والجسد معاً
البيت في غزة ليس جدراناً فقط، بل مركز الأمان والعائلة والستر الاجتماعي. وعندما يُقصف البيت أو يُفرض النزوح، لا تخسر المرأة مكاناً للسكن فحسب، بل تخسر مساحة التنظيم والسيطرة على حياتها. تنتقل فجأة من دورها المعتاد داخل محيط تعرفه إلى واقع فوضوي مكتظ، تندر فيه المياه والمرافق الصحية والخصوصية.
في مراكز الإيواء، تتكشف طبقات أخرى من المعاناة. النساء والفتيات يواجهن صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية المرتبطة بالنظافة الشخصية والصحة الإنجابية. هذه ليست كماليات، بل حقوق أولية. لكن تحت الحصار والعدوان، تتحول إلى مطالب بعيدة المنال. وحين تغيب هذه الاحتياجات، ينعكس ذلك مباشرة على الصحة الجسدية والنفسية، وعلى الإحساس بالكرامة في آن واحد.
الحمل والولادة يقدمان المثال الأكثر قسوة. المرأة الحامل في غزة لا تخشى ألم المخاض وحده، بل تخشى الوصول إلى المستشفى، أو عدم وجود سرير، أو انقطاع الكهرباء، أو نقص الطواقم والدواء. وقد تضطر بعض النساء إلى الولادة في ظروف غير آمنة وفي حالات كثيرة دون تخدير، من دون متابعة طبية كافية، في لحظة يفترض أن تكون أكثر لحظات الحياة احتياجاً للحماية. هنا يظهر الوجه الحقيقي للجريمة: استهداف شروط الحياة نفسها.
الأمومة تحت النار
الأم في غزة مطالبة بأن تكون قوية طوال الوقت، لكن هذا الوصف الرائج يخفي ظلماً آخر. فالقوة هنا ليست خياراً حراً، بل ضرورة فرضتها حرب الإبادة الصهيونية على غزة. عليها أن تخفي خوفها كي لا ينهار أطفالها، وأن تقنعهم بأن الغد ممكن وهي لا تملك يقيناً بذلك، وأن تتعامل مع الجوع أو النزوح أو فقدان الأب أو الأخ كأنها قادرة على استيعاب كل شيء دفعة واحدة.
كثير من النساء يعشن تجربة الفقد المزدوج: فقدان الأحبة، ثم فقدان القدرة على الحداد الطبيعي. لا وقت كافياً للبكاء في ظل البحث عن ناجين، أو ترتيب الخروج، أو الوقوف في طوابير الخبز والماء. هكذا تتحول الصدمة إلى عبء مؤجل، يتراكم في الداخل ويترك آثاراً قد تمتد سنوات.
الحصار يضاعف معاناة نساء غزة
الحرب ليست منفصلة عن الحصار، بل تأتي فوقه وتعمل من خلاله. فسنوات الحصار الطويلة أضعفت النظام الصحي، وقلصت فرص العمل، وعمقت الفقر، ووسعت الاعتماد على المساعدات. وعندما يقع العدوان، تظهر هذه الهشاشة بأقصى صورها. النساء يدفعن ثمناً مضاعفاً لأنهن غالباً في موقع تدبير النقص اليومي داخل الأسرة.
حين يقل الطعام، تكون المرأة أول من يقتطع من حصتها. وحين ينقطع الدواء، تؤجل علاجها لتوفير ما يمكن للأطفال أو لكبار السن. وحين تتراجع القدرة الاقتصادية للأسرة، تتسع دائرة القلق والضغط الاجتماعي داخل البيت. ليست هذه تضحيات بطولية بالمعنى الرومانسي، بل مؤشرات على اختلال عميق في شروط البقاء فرضه الاحتلال والحصار معاً.
هناك أيضاً النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو معيل الأسرة، وأصبحن فجأة أمام مسئولية كاملة في بيئة مدمرة. هذا التحول قد يكشف قدرة هائلة على الصمود، لكنه لا يجب أن يُقرأ خارج سياقه القاسي. التكيف مع الكارثة ليس دليلاً على أنها أصبحت مقبولة. والصبر الفلسطيني، مهما اتسع، لا يلغي حق الناس في الحماية والعدالة.
بين النزوح والقهر اليومي
النزوح في غزة ليس انتقالاً من مكان إلى مكان أكثر أمناً بالضرورة. في كثير من الأحيان هو انتقال من خطر إلى خطر آخر، ومن اكتظاظ إلى اكتظاظ أشد، ومن انعدام استقرار إلى انعدام كامل لليقين. المرأة تعيش هذا التحول بكل تفاصيله الصغيرة التي لا تظهر عادة في العناوين العاجلة: أين تنام الأسرة، كيف تُبدل الملابس، كيف تُؤمن الحد الأدنى من الخصوصية للفتيات، كيف يُحمى الأطفال من المرض والخوف في آن واحد.
هذه التفاصيل ليست ثانوية. الإذلال اليومي جزء من بنية الاستهداف. حين تُحرم المرأة من القدرة على إدارة أبسط شؤونها، وحين تُدفع إلى التوسل من أجل الماء أو الخبز أو العلاج، فإن ذلك يطال كرامتها مباشرة. ومن الخطأ اختزال هذه المعاناة في لغة الإغاثة الباردة فقط، لأن ما يجري ليس مجرد أزمة احتياجات، بل نتيجة سياسة صهيونية قسرية ممنهجة.
الأثر النفسي الذي لا تلتقطه الأرقام
الأرقام تخبرنا بعدد الشهداء والجرحى والنازحين، لكنها لا تحصي بالكامل ما يترسب في النفس. النساء في غزة يعشن قلقاً دائماً، وأرقاً، ونوبات هلع، وشعوراً مزمناً بانعدام الأمان. الطفلة التي ترى أمها عاجزة عن حمايتها تتشكل ذاكرتها على الخوف. والأم التي لا تستطيع تهدئة أطفالها تحت القصف تحمل جرحاً داخلياً يتجاوز اللحظة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال النساء في صورة الضحية فقط. في غزة، المرأة أيضاً شاهدة وفاعلة وحافظة للنسيج الاجتماعي. هي التي تعيد ترتيب الحياة وسط الركام، وتبتكر وسائل الاستمرار، وتمنع الانهيار الكامل للأسرة. لكن الاعتراف بهذه القوة يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتطبيع الألم أو طلب مزيد من الاحتمال منها.
لماذا يجب دعم هذا الملف سياسياً؟
أي حديث عن معاناة نساء غزة يظل ناقصاً إذا جرى فصله عن سياقه السياسي الواضح. المشكلة ليست كارثة طبيعية، ولا أزمة إدارة محلية، بل عدوان واحتلال وحصار صهيوني مستمر. لهذا فإن الاكتفاء بالشفقة أو اللغة الإنسانية العامة يخفف حدة الحقيقة بدل أن يكشفها. النساء في غزة لا يحتجن فقط إلى مساعدات عاجلة، رغم ضرورتها، بل يحتجن قبل ذلك إلى وقف الاستهداف ورفع الحصار ومحاسبة المسئولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
المقاربة الخيرية وحدها ترى المرأة باعتبارها متلقية للنجدة. أما المقاربة العادلة فترى فيها إنسانة لها حقوق سياسية ووطنية وإنسانية كاملة. وهذا فارق أساسي. لأن الدفاع عن نساء غزة لا يقتصر على إرسال ما يسد الرمق، بل يشمل أيضاً رفض السرديات التي تبرر قتل الفلسطينيين أو تساوي بين الجلاد والضحية أو تتعامل مع الألم الفلسطيني كخبر عابر.
هنا تبرز مسئولية الإعلام أيضاً. فالسرد المنصف لا يكتفي بإظهار صورة البكاء تحت الأنقاض، بل يشرح لماذا حدث ذلك، ومن تسبب به، وكيف تُصنع هذه الكارثة على مرأى العالم.
ما الذي تحتاجه نساء غزة الآن؟
الجواب ليس واحداً، لأن الاحتياجات تمتد من الإسعاف الفوري إلى الحماية بعيدة المدى. هناك حاجة عاجلة إلى الغذاء والماء والدواء والرعاية الصحية، بما فيها خدمات الحمل والولادة والصحة النفسية. وهناك حاجة إلى أماكن إيواء تحفظ الحد الأدنى من الخصوصية والأمان. لكن فوق ذلك كله، هناك حاجة إلى إرادة سياسية دولية توقف آلة الاستهداف الصهيونية، لأن أي استجابة إنسانية ستبقى محدودة ما دام أصل الجريمة قائماً.
كذلك تحتاج النساء في غزة إلى مساحة لسرد تجربتهن بأصواتهن، لا أن يُتحدث عنهن فقط. فالشهادة هنا ليست تفصيلاً إعلامياً، بل جزء من معركة الرواية والحقوق. حين تتكلم المرأة الغزية عن يومها تحت القصف، وعن فقدها، وعن صبرها القسري، فهي لا تنقل معاناة شخصية فحسب، بل تكشف بنية القهر التي يراد للعالم أن يعتادها.
الحديث عن معاناة نساء غزة يجب ألا ينتهي عند التعاطف، بل يبدأ منه ليتحول إلى موقف واضح. فكل امرأة تحاول حماية أطفالها بين ركام البيت وممرات النزوح تقول للعالم شيئاً مباشراً: لا تطلبوا من الضحية أن تتكيف أكثر، بل أوقفوا ما يجعل الحياة نفسها معركة يومية من أجل البقاء.
تكلفة الحرب في غزة على النساء والفتيات
كشفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن حصيلة صادمة توثق استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 حتى نهاية 2025، بمعدل يقارب 47 ضحية يوميًا، في مؤشر كثيف على اتساع استهداف الفئات المدنية، خصوصًا النساء والأطفال، وعلى عمق الكارثة الإنسانية المتفاقمة وتداعياتها البنيوية على المجتمع.
ويفصّل تقرير "تكلفة الحرب في غزة على النساء والفتيات" أن الضحايا شملوا أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، إلى جانب نحو 11 ألف مصابة، كثير منهن بإعاقات دائمة، ما يضاعف الأثر طويل المدى للحرب ويقوّض فرص التعافي الاجتماعي في ظل استمرار النزيف البشري.
وفي تعقيب رسمي، وصف المدير الإقليمي للهيئة في الدول العربية معز دريد تأثير الحرب بأنه "مدمر"، مشيرًا إلى أنها لم تخلّف فقط أعدادًا هائلة من الضحايا، بل أعادت تشكيل بنية الأسر، حيث اضطرت النساء لإعالة عشرات الآلاف من العائلات وسط تفاقم الأعباء الاقتصادية وتصاعد المخاطر الأمنية، في مشهد يعكس تحولات عميقة وقسرية في المجتمع الغزّي.