ظن الناس أن الحرب في غزة قد انتهت مع بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار قبل مائتي يوم، لكن ذلك كان خدعة كبرى، فبعد مرور نحو 200 يوم على سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025، تبدو الصورة العامة مركّبة ومعقّدة ومليئة بالقتل والأزمات.
فالاتفاق الهش لم يؤد إلى إنهاء الأزمة بقدر ما خفف من حدة العمليات العسكرية الواسعة، بينما استمرت التداعيات الإنسانية والاقتصادية والسياسية بشكل عميق، وفق تقارير أممية ومصادر ميدانية.
خروقات وشهداء وجرحى
فبالرغم من وقف إطلاق النار، تشير المعطيات إلى استمرار الخروقات الميدانية بشكل متصاعد ويومي، فقد تجاوز عدد الخروقات 3 آلاف خرق تنوعت ما بين حوادث إطلاق نار مباشر، غارات وهجمات جوية، توغلات عسكرية داخل مناطق سكنية، وهدم ونسف منازل ومنشئات سكنية.
ووفق المعطيات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، فقد ارتفع إجمالي عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في قطاع غزة إلى 817 شهيدا، إضافة إلى 2296 إصابة، إضافة إلى انتشال 762 شهيدا، لترتفع الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023، ارتفعت إلى 72,593 شهيداً، و172,399 جريحا.
وخلافا للاتفاق فلا تزال أجزاء واسعة من القطاع خاضعة لسيطرة عسكرية صهيونية مباشرة، خاصة في المناطق الشرقية والشمالية، ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي يسيطر على نحو 58% من مساحة القطاع، والتي عمدت قوات الاحتلال إلى توسيعه بشكل إضافي خلال الأيام الأخيرة.
هذا الواقع خلق حالة أمنية واقتصادية واجتماعية هشة، حيث لا يشعر الناس في قطاع غزة بوجود هدنة حقيقية، بل انخفاض نسبي في شدة الحرب مع استمرار التهديدات المباشرة والخروقات المستمرة.
الوضع الإنساني والمعيشي
تجمع التقارير الأممية والمنظمات الدولية على أن الوضع الإنساني لا يزال كارثياً، تشير التقديرات إلى أن نحو 90% من سكان غزة تعرضوا للنزوح القسري مرة واحدة على الأقل، وغالباً مرات متعددة، ولا يزال معظمهم في خيام أو مراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.
ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن المساحة التي يعيش فيها الناس في القطاع تتقلص باستمرار، ما يضغط على مئات الآلاف من الناس في رقعة صغيرة من الأرض مكتظة بالسكان، حيث أصبح محيط الخط الأصفر منطقة قتل.
ويعاني السكان من نقص حاد في المياه النظيفة والغذاء والكهرباء، إضافة إلى انهيار شبه كامل في النظام الصحي.
وتكشف منظمات حقوقية فلسطينية وعالمية أن الاحتلال يستمر في انتهاك البروتوكول الإنساني، خاصة فيما يتعلق بإدخال المساعدات، مبينة أن الاتفاق نص على دخول 600 شاحنة يوميا، غير أن ما يدخل فعليا لا يتجاوز 39% من هذا العدد، مع انخفاض خطير في إدخال الوقود إلى نحو 14.9% فقط من الكميات المطلوبة، مما يسهم في تعطيل الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ويُعمّق الأزمة الإنسانية.
ووفقا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن الاحتلال لا يلتزم ببنود البروتوكول الإنساني ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وأبرزها إدخال الأعداد المفترضة من الشاحنات المختلفة، الالتزام بخطوط الانسحاب من قطاع غزة، إدخال المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية، إدخال المعدات الثقيلة للدفاع المدني لإزالة الأنقاض وانتشال جثامين الشهداء، إدخال المعدات والمستلزمات الصحية والطبية والأدوية، فتح معبر رفح كما هو متفق عليه، إدخال الخيام والبيوت المتنقلة ومواد الإيواء، وتشغيل محطة توليد الكهرباء.
وعلاوة على ذلك فإن الأوضاع الاجتماعية تشهد تدهوراً واضحاً، حيث يعيش السكان تحت ضغط نفسي هائل نتيجة الحرب المستمرة بشكل غير مباشر، وفقدان المنازل والأقارب، وانعدام الأفق.
اقتصاد منهار وإعمار بعيد المنال
ويعاني اقتصاد غزة من حالة انهيار شبه كامل، فالبنية التحتية مدمّرة إلى حد كبير، وتشير تقديرات سابقة إلى أن نسباً واسعة من المباني تعرضت للتدمير أو الضرر خلال الحرب، كما أن القيود المفروضة على إدخال مواد البناء والمساعدات تعرقل أي جهود جدية لإعادة الإعمار.
ويقدر إجمالي الخسائر الاقتصادية المباشرة التي لحقت بالقطاع بنحو 70 مليار دولار، ولا يشمل هذا الرقم الخسائر غير المباشرة المتمثلة في توقف العجلة الاقتصادية وفقدان الوظائف، بل يركز على تكلفة إعادة الإعمار المادي للقطاعات الحيوية التي تعرضت لإبادة ممنهجة، حيث تسببت الحرب في محو عقود من التنمية الفلسطينية وإعادة القطاع إلى مستويات معيشية لم يشهدها منذ 60 عاما.
إضافة إلى ذلك، فإن فقدان السيطرة على الأراضي الزراعية الواقعة شرق القطاع ، والتي أصبحت ضمن مناطق عسكرية أدى إلى شلل كبير في الإنتاج الزراعي المحلي، مما زاد من الاعتماد على المساعدات الخارجية .
ويعاني السوق المحلي من شلل، مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات قياسية، وسط غياب شبه كامل للاستثمارات.
وفوق كل ذلك تعيش أسواق قطاع غزة حالة من الاضطراب المستمر نتيجة سياسة غير معلنة تقوم على إدخال سلع معينة ومنع أخرى بشكل متناوب، في ظل تحكم الاحتلال بالمعابر وحركة البضائع، ما يخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار في توفر المنتجات الأساسية، ويدفع السكان إلى حالة طوارئ معيشية مستمرة.
ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي أن القيود المفروضة على المعابر تمثل "سبباً جوهرياً للأزمة الإنسانية"، في ظل استمرار تقليص الإمدادات وفرض قيود على مصادرها، بما يؤدي إلى تعطيل سلاسل التوريد ورفع الكلفة على المواطنين.
قطاع صحي عاجز
القطاع الصحي ورغم مرور 200 يوم على سريان وقف إطلاق النار لا يزال يواجه ضغطاً هائلاً نتيجة نقص المعدات والأدوية، وتدمير عدد كبير من المستشفيات، إضافة إلى الظروف البيئية والمعيشية التي يعاني منها السكان والتي تضغط على المنظومة الصحية بشكل كبير جدا بسبب انتشار الأمراض المعدية والأوبئة.
ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، هناك أكثر من 18,500 مريض بحاجة إلى إجلاء طبي خارج القطاع، بينهم نحو 4 آلاف طفل.
ووفق المعطيات الرسمية المنشورة فإن 59 % من الأدوية الأساسية، و37% من المهام الطبية رصيدها صفر، في حين أن مستشفيات قطاع غزة بحاجة ماسة الى محطات الأكسجين لتمكين الأقسام الحيوية بمتابعة تقديم الرعاية الطبية للجرحى والمرضى.
وفوق ذلك كله فإن الخدمة الصحية تعتمد على المولدات الكهربائية، وهي مهددة بالتوقف جراء نقص الوقود وقطع الغيار والزيوت والفلاتر.
ولا يمكن لتقرير صحفي واحد أن يجمل الحالة التي يعيشها قطاع غزة بعد مرور 200 يوم على وقف إطلاق النار إلا أنه يمكن القول إن قطاع غزة يعيش حالة "لا حرب ولا سلام"، فعلى الرغم من توقف العمليات العسكرية الواسعة، فإن الواقع اليومي للسكان لا يزال محكوماً بالأزمات والانتهاكات والقتل البطيء الممنهج والحصار الظالم الذي لا يرحم.