أثار وضع رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي القلق، بعد معاناته من مشاكل صحية داخل سجنه بالمرناقية، مطلع الأسبوع الحالي، ما استوجب نقله العاجل إلى المستشفى، واليوم يشهد وضعه الصحي استقراراً نسبياً بعد التراجع الحاد أخيراً.
وقال عضو هيئة الدفاع عنه، المحامي سامي الطريقي، لـ"العربي الجديد"، إن الوضع الصحي للغنوشي مستقر حالياً، مضيفاً بعدما زار الغنوشي منذ حوالي أسبوع، أن رئيس حركة النهضة عانى وعكةً صحية بسبب عدم استقرار ضغط دمه، ثم نقل إلى المستشفى للعلاج، وهو حالياً في السجن.
مطالبة بمحاكمة عادلة وإفراج فوري
وعبرت منظمة العفو الدولية، يوم الخميس الماضي، عن قلقها الشديد إزاء التقارير التي تفيد بأن الغنوشي نُقل إلى المستشفى في حالة طارئة.
ودعت المنظمة السلطات التونسية إلى ضمان حصوله على رعاية طبية فورية وملائمة في جميع الأوقات، بما يتماشى مع التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، مؤكدة أن احتجازه خلال السنوات الثلاث الماضية والملاحقات القضائية المستمرة بحقّه تثير مخاوف جدّية، إذ يبدو أنها ذات دوافع سياسية، في سياق تتعرض فيه ضمانات المحاكمة العادلة لتقويض شديد.
من جهتها، دعت حركة النهضة في بيان لها، الخميس، إلى إطلاق سراح الغنوشي، مؤكدة التدهور الحادّ في وضعه الصحي.
وقالت الحركة في بيان إنه أمام هذا المستجدّ الخطير، فإنها تجدّد مطالبتها بإطلاق سراح الغنوشي فوراً، باعتباره محتجزاً بشكل تعسفي، وهذا ما أكّده القرار الأممي للجنة الخبراء عدد 63/2025، والذي نصّ على أن الغنوشي يحاكم بسبب حرية الرأي والتعبير، وأن التهم الموجهة إليه تفتقد إلى أي أساس قانوني وواقعي.
وبيّنت الحركة أن المكان الطبيعي للغنوشي هو أن يكون حراً في بيته بين أهله تطبيقاً للقرار الأممي الواجب احترامه وفق المعاهدات الدولية المصادق عليها من الدولة التونسية، واستناداً إلى حقّه الدستوري في الرعاية الصحية الضرورية بالنظر إلى سنّه وإلى الأمراض المزمنة التي يعاني منها والتي تستوجب رعاية وإحاطة عائلية مستمرة.
أما عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة بلقاسم حسن، فأكد في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن المكان الطبيعي للغنوشي وبحكم سنّه هو البيت لا السجن مع ضرورة توفر العناية الطبية.
وأضاف أنهم يطالبون بإطلاق سراح الغنوشي، مذكراً بالقرار الأممي الصادر في هذا السياق، والذي يعتبر بقاءه في السجن احتجازاً تعسفياً.
أما الباحث والطبيب الفلسطيني سعيد الحاج، فقد كتب في تدوينه له: "الغنوشي أحد أكثر السياسيين الإسلاميين براجماتية وسعياً للتوافقات، من المنظّرين للديمقراطية، مناضل سلمي على مدى عقود لأحد أكثر الأنظمة العربية دكتاتورية، رئيس حركة سياسية سلمية، رئيس برلمان منتخب، وغير ذلك الكثير، ثم يعتقل ويحاكم على اتهامات سخيفة، واليوم حياته في خطر، ثم تجد الغالبية صامتة على ما يفعل به، وربما البعض يبرره".
صراع مستمر مع السلطة
الغنوشي، المولود في 22 يونيو 1941 في الحامة (قابس)، قضى سنوات عديدة من حياته ملاحقاً ومنفياً وسجيناً، وهو الذي حوكم بالإعدام مرتين وبالمؤبد في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وفي رصيده حالياً أحكام تصل إلى 70 سنة سجناً في قضايا وصفها معارضون بالسياسية كـ"التآمر على أمن الدولة 2"، و"المسامرة الرمضانية" التي نظمتها جبهة الخلاص الوطني منذ حوالي ثلاث سنوات.
قضى راشد الغنوشي حياته في صراع مستمر مع السلطة بدءاً من النظام البورقيبي، ثم نظام بن علي، وصولاً إلى سلطة قيس سعيّد، وظلّ ملاحقاً من 1989 إلى 2011، كما قضى سنوات عدة في المنفى في لندن إثر تضييق نظام بن علي الخناق على حركة النهضة في التسعينيات. عُرف راشد الغنوشي بمعارضته الشديدة لانقلاب 25 يوليو 2021 بعد حلّ البرلمان بالقوة، وانفراد الرئيس التونسي قيس سعيّد بجميع السلطات التشريعية والتنفيذية، ومنذ عام 2023 يواجه الغنوشي عدة أحكام سجنية، منها قضية المسامرة الرمضانية بسبب تصريحات له، التي حوكم بموجبها بعشرين عاماً وقضية التآمر.
وقبيل اعتقاله في عام 2023، كان الغنوشي يرأس حركة النهضة التي تأسست في 1981، وعرفت حينها بحركة الاتجاه الإسلامي. قاد مسيرة دولية حافلة، وعرف خلالها بوصفه منظّراً للإسلام الديمقراطي، هذا إلى جانب لعبه دوراً توافقياً بعد الثورة التونسية، حيث قاد "النهضة" في مراحل انتقالية دقيقة، معتمداً على سياسة التوافق والحوار خصوصاً مع حركة نداء تونس، ومع تولي الراحل الباجي قائد السبسي رئاسة البلاد حينها.
يعتبر الغنوشي من أهم المفكرين المعاصرين في أوساط الإسلام السياسي، ومفكراً في مواضيع الحريات، والعلاقة بين الديمقراطية والإسلام، وله العديد من الكتابات الفكرية، حيث نشر أكثر من عشرين كتاباً. كان الغنوشي أيضاً مساعد الأمين العام لشئون القضايا والأقليات في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونائب رئيسه. حصل على العديد من الجوائز الدولية، من بينها جائزة "تشاتام هاوس"، وجائزة مجموعة الأزمات الدولية والجائزة الدولية لتعزيز القيم الغاندية للسلام وأفضل 100 مفكر لـ"فورين بوليسي".