تشهد الأنظمة التعليمية في عدد من الدول الأوروبية تحولات متزايدة في طريقة تناول التاريخ اليهودي والاحتلال الصهيوني داخل المناهج الدراسية والخطاب التربوي، وسط تحذيرات من تنامي سرديات أحادية الجانب قد تؤثر على وعي الأجيال الجديدة تجاه الصراع في الشرق الأوسط.
أكدت صحيفة "إسرائيل اليوم" الصهيونية في مقال للبروفيسور أرئيل فيلدشتاين، إلى أن أوروبا سعت عقب الحرب العالمية الثانية إلى إعادة بناء نفسها سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، بعدما اعتبرت المحرقة إنذاراً تاريخياً وانهياراً حاداً للقيم الإنسانية في القارة، وهو ما دفع لسنوات طويلة إلى محاولات إعادة النظر في صورة اليهود ومنع تكرار التصورات التي قادت إلى واحدة من أكثر الفترات قتامة في التاريخ الحديث.
وتابعت أن هذه التصورات بدأت تتراجع تدريجياً منذ سبعينيات القرن الماضي، موضحة أن التحولات في البداية كانت هامشية وغير مؤثرة في المؤسسات الرسمية، قبل أن تتطور خلال السنوات الأخيرة إلى ما وصفته بـ"تحول هادئ ومقلق" داخل الأنظمة التعليمية والفصول الدراسية والخطاب الثقافي في عدد من الدول الأوروبية.
ولفتت الصحيفة إلى أن "القضية لم تعد مرتبطة فقط بنظرة المجتمعات الأوروبية الحالية إلى إسرائيل، بل بما يتعلمه الجيل الجديد داخل المدارس"، معتبرة أن النظام التعليمي لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، وإنما يساهم في تشكيل الوعي والذاكرة التاريخية والتصورات الأخلاقية للأجيال المقبلة.
وأضافت أن "الأطفال الذين يتلقون تعليمهم اليوم سيصبحون خلال العقود المقبلة صحفيين وبرلمانيين وقضاة وصناع قرار، ما يجعل طريقة تدريس التاريخ اليهودي وإسرائيل داخل المدارس الأوروبية مسألة "استراتيجية" بالنسبة لإسرائيل"، وفقاً للمقال.
وأشارت الصحيفة إلى ما وصفته بتزايد حضور روايات أحادية في الكتب المدرسية والمناهج والخطاب التعليمي، مؤكدة أن "الصراع على صورة إسرائيل في أوروبا يُخاض أيضاً داخل حصص التاريخ"، وأن الروايات التي تُقدَّم داخل الصفوف الدراسية تتحول مع الوقت إلى حقائق راسخة لدى الأجيال الجديدة.
وتابعت أن ما يثير القلق، بحسب المقال، هو وجود حالات يجري فيها "طمس" أحداث المحرقة أو التعامل مع قتل اليهود باعتباره حدثاً عادياً، بالتزامن مع تنامي خطاب يُبرز ما وصفه المقال بـ"العنف المتأصل لدى اليهود"، في إطار ربط يمتد من قضية “مقتل المسيح” وصولاً إلى الحرب الجارية في غزة.
وأضافت الصحيفة أن مصطلحات مثل "الإبادة الجماعية" باتت تُستخدم بصورة متزايدة في الخطاب المتعلق بإسرائيل داخل أوروبا، ويتم أحياناً تقديمها باعتبارها "حقائق مسلّماً بها" بدلاً من كونها مواقف سياسية أو أيديولوجية قابلة للنقاش.
وذكرت أن هذه التحولات تسارعت بصورة أكبر منذ السابع من أكتوبر، مشيرة إلى أن الخطاب الفلسطيني لم يعد مقتصراً على المجال السياسي أو المظاهرات، بل امتد إلى الأنظمة التعليمية ونقابات المعلمين والفضاء الثقافي الأوسع في عدد من الدول الأوروبية.
وزعمت الصحيفة أن الخطر، وفقاً للمقال، لا يتمثل فقط في تنامي المواقف العدائية تجاه الكيان الصهيوني، وإنما أيضاً في تراجع الفاصل بين الانتقاد السياسي لإسرائيل والمواقف السلبية تجاه اليهود داخل المجتمعات الأوروبية.
وأكدت أن التاريخ يُظهر أن التحولات العميقة في الوعي المجتمعي لا تحدث بشكل مفاجئ، بل تتراكم تدريجياً عبر المفاهيم والمضامين التي يتلقاها الأطفال في سن مبكرة، معتبرة أن "التحدي الذي تواجهه إسرائيل لا يقتصر على إدارة "أزمة إعلامية" آنية، وإنما يتعلق بكيفية التعامل مع تشكيل وعي الأجيال القادمة في أوروبا".
وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن "الأطفال الموجودين اليوم داخل الفصول الدراسية الأوروبية سيكونون بعد عقدين من الزمن مسئولين عن تشكيل الرأي العام والسياسات والمواقف تجاه اليهود وإسرائيل"، معتبرة أن "المعركة على المستقبل" بدأت بالفعل داخل المدارس والأنظمة التعليمية الأوروبية.