بقلم: د. جميلة الشعبي
مقدمة:
لكل مجتمع قيمه ومبادئه التي تُعد جزءًا من ثقافته ومكوّناً أساسياً لهويته التي يتميز بها عن غيره من المجتمعات الأخرى؛ ولذا يحرص المجتمع على التمسك بها ونشرها بين أفراده؛ من أجل الحفاظ على كيانه؛ وتُعد المدرسة من أهم مؤسسات المجتمع في ترسيخ القيم لدى الفرد وبناء شخصيته، وتحديد هويته الثقافية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم بفعل العولمة والانفتاح الثقافي، برزت المدارس الدولية كأحد أهم مظاهر التفاعل الحضاري والتعليمي بين الدول، حيث تقدّم نماذج تعليمية حديثة تعتمد على مناهج ولغات وثقافات مختلفة. وقد أسهمت هذه المدارس في تطوير مهارات الطلاب، خاصة في مجالات التفكير النقدي والتواصل والانفتاح على الآخر، إلا أنّها في الوقت ذاته أثارت تساؤلات جوهرية حول تأثيرها على منظومة القيم والهوية لدى النشء في المجتمعات العربية والإسلامية.
إن تعزيز الهوية العربية الإسلامية ودعمها يقدم للأمة نسيجًا يحفظ تماسكها ويساعدها على مقاومة محاولات التذويب بأشكاله المختلفة، وهذا يتطلب النظر في بنائنا الثقافي بما يجعلنا مؤهلين للقيام بهذه المهمة وتعزيز هويتنا العربية الإسلامية، ويقع على عاتق المؤسسات التعليمية العبء الأكبر في تحقيق ذلك بما لديها من أدوار ووظائف على مستوى البحث والفكر والتدريس وخدمة المجتمع.
ومن هنا تنبع أهمية البحث في العلاقة بين التعليم الدولي والحفاظ على الهوية العربية الإسلامية، خاصة في ظل ما قد تحمله بعض المناهج من مضامين ثقافية مغايرة أو متعارضة مع القيم الإسلامية وثقافة البلد.
المحور الاول: صناعة التوازن لا إفراط ولا تفريط
أولا: الفرقّ بينّ الانفتاح والذوبانّ:
من المهم التأكيد على أن التمسك بالهوية الثقافية لا يعني الانغلاق على الذات، ولكن يعني الانفتاح على الثقافات الأخرى دون تقويض الهوية المحلية، لأنها تعطي مجتمعها خصوصيته وتميزه عن غيره من المجتمعات.
والهوية الإسلامية ليس معناها عزل العالم ورفضه كليًا كما يدّعي الآخرون، فالحضارة الإسلامية استطاعت أن تستوعب حضارات وأفكارًا وأجناسًا مختلفة، ما كون كيانًا عظيمًا للحضارة العربية الإسلامية وجعل من الإسلام في جانبه السياسي والحضاري هوية الأمة حتى لغير المسلمين من أبنائها، أما الإسلام العقدي فهو خاص بالمسلمين.([1])
التفاعل مع الغرب وذلك في توازن تتحقق معه الاستفادة من الغرب، بشرط الوقوف من إنتاجه الفكري موقف الناقد والمستوعب من منطلق عربي إسلامي يحفظ للأمة بنيانها الحضاري دون استسلام أو ذوبان، فالاقتباس المطلق يؤدي إلى التبعية التي تلغي الشخصية والكيان والإرادة والهوية يمثل عقبة كأداء أمام التقدم والإبداع. ([2])
فليس من المطلوب أن تذوب وتتصهر الثقافات في ثقافة واحدة، بل المطلوب أن تقوم بين كل ثقافة وأخرى علاقات من التفاهم والتسامح والوصول إلى قاسم مشتركة يستوعب من خلالها الفرد تاريخه وثقافته بالإضافة إلى وعيه الذاتي بالتغيير الثقافي من حوله واستيعابه.([3])
ولا يمكن أن نتغافل عن ضرورة تعلم وتعليم اللغات الأجنبية لأبنائنا وطلابنا، بل أصبح ذلك من ضرورات العصر حتى يستطيعوا التعامل مع التطور العلمي والانفتاح على الأمم الأخرى. ومن هنا فإن الفرق الجوهري بين الانفتاح والذوبان يكمن في قدرة المجتمع على الحفاظ على ثوابته أثناء تفاعله مع الآخر، دون أن يفقد هويته أو يذوب في ثقافته.([4])
ثانيا: كيفّ نستفيدّ منّ التعليمّ الدولي دونّ فقدانّ الذاتّ:
إن انتشار التعليم الدولي إلى جانب التعليم العام الحكومي في ظل العولمة والمعلوماتية والثروة ظاهرة صحية، إذا كان تحت إشراف وزارة التعليم، ويحترم قيم وثقافة الآخرين ، خاصة في ظل ما يتمتع به التعليم الأجنبي من مزايا تعليمية؛ كتوفر مناهج عالمية، وتعلم اللغة الإنجليزية، ومهارات الحاسب الآلي، إضافة إلى قلة عدد الطالب في الفصل، وبعض الانشطة التربوية والترفيهية التي تقل فرصتها في التعليم الحكومي، وأن تعلم مختلف اللغات والعلوم ضروري في العصر الحالي؛ على أن يكون ذلك بشيء من الاحتراس؛ لكيلا تصبح اللغة الأجنبية بديلاً عن اللغة الأم في مختلف شؤون الحياة.([5])
إن وجود التعليم الدولي أمر لا بد منه، إذ أصبح غطاءً تعليمياً يلبي المتطلبات العالمية، ويحقق احتياجات سوق العمل العالي من الخبرات، تلك الاحتياجات التي ألقت على عاتق المدارس الأجنبية مزيداً من المسؤوليات، وفرضت عليهم بعض المهارات الجديدة التي لم تكن مطلوبة من قبل، والتي عجزت أنماط التعليم التقليدية عن الوفاء بها، بالإضافة إلى أن من حق كل أمة معرفة ما وصل إليه غيرها من الأمم من العلوم والتقدم والحضارة، وخاصة في العصر الحديث الذي يشهد تطوراً مذهلاً في التقنية بمختلف أنواعها، الأمر الذي يدعو مختلف الشعوب إلى تعلم مختلف اللغات الأجنبية، وفرضها على طلابها في مختلف المراحل، بغية معرفة تلك المعارف والعلوم في عصر العولمة، ومن هنا تصاعدت الدعوة لتعليم الطلاب اللغة الإنجليزية ابتداءً من مرحلة التعليم الأولى، من أجل إكسابهم اللغة من سن مبكرة، ما حدا بكثير من أولياء الأمور إلى إلحاق أبنائهم بالمدارس الأجنبية التي أصبحت جزءاً من المنظومة التربوية العربية في العصر الحاضر. ([6])
ينبغي للدولة أن تبسط يدها على هذا التعليم لتقننه وتجعله تحت رقابتها الدائمة وأن ترعى الخصوصية الثقافية للوطن داخل هذه المدارس وتشجع من الاهتمام بالمواد القومية كاللغة العربية والتربية القومية والدراسات الاجتماعية، وأن التعليم الأجنبي واقع لا مفر منه، فهو قائم بمؤسساته وله أنصاره ومؤيدوه، وطلابه، ومن ثم ينبغي أن نتعامل معه ونستفيد منه ونستفيد منه في إطار هويتنا الثقافية العربية، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال التأمين الفكري والتحصين الثقافي لعقول أبنائنا. ([7])
رابعًا: فقه الأولويات في تربية الأبناء
إن ترتيب الأولويات في التربية يعد من أهم عوامل الحفاظ على الهوية، حيث ينبغي تقديم القيم الدينية واللغوية على غيرها من الجوانب. والدين هو مكون رئيسي من مكونات تشكيل الهوية العربية وهو منبع القيم والفضائل الى جانب اللغة الأم، حيث إن التعلم باللغة الأم يسهم في تعزيز الفهم والتحصيل العلمي، ويشكل أساسًا قويًا لاكتساب اللغات الأخرى، تعتبر اللغة هي أهم أداة تنقل ثقافة الأمة إلى أبنائها، ومن ثم كان حرص الأمم على أن يتم التعليم فيها بلغتها القومية. كما أن التربية القائمة على القيم تساهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على التعامل مع التحديات المعاصرة.([8])
ثالثا: امثلة لمدارس حول العالم تعلم اللغة والمهارات وتحافظ على الهوية الاسلامية:
المملكة العربية السعودية: يظهر نموذج المدارس الأهلية والعالمية التي تعتمد مناهج دولية مع الحفاظ على مقررات الهوية الإسلامية، حيث تجمع هذه المدارس بين تدريس العلوم الحديثة واللغة الإنجليزية، وبين تعزيز القيم الإسلامية واللغة العربية. وتُعد هذه التجربة امتدادًا لسياسة تعليمية تهدف إلى إعداد جيل قادر على المنافسة عالميًا دون فقدان هويته الثقافية والدينية.([9])
وفي قطر: برزت مؤسسات تعليمية تعتمد المناهج الدولية مع إدماج القيم العربية والإسلامية ضمن العملية التعليمية، حيث تسعى هذه المدارس إلى تحقيق توازن بين الانفتاح العالمي والمحافظة على الهوية. وقد ساهم هذا التوجه في إعداد طلاب يمتلكون مهارات عالمية مع الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية.([10])
ماليزيا: تُعد تجربة ماليزيا من أبرز النماذج العالمية التي نجحت في تحقيق التوازن بين التعليم الحديث والحفاظ على الهوية الإسلامية، حيث اعتمدت المؤسسات التعليمية فيها على دمج المناهج الدولية، خاصة باللغة الإنجليزية، مع مقررات مكثفة في الدراسات الإسلامية واللغة العربية. وقد ساهمت مدارس مثل International Islamic School Malaysia في تخريج طلاب يمتلكون كفاءة علمية عالية دون التفريط في انتمائهم الديني والثقافي، وهو ما يعكس فلسفة تعليمية قائمة على التكامل بين الأصالة والمعاصرة.([11])
أما في تركيا، فقد قدمت مدارس Imam Hatip Schools نموذجًا متميزًا يجمع بين التعليم الديني والعلمي، حيث تدرّس هذه المدارس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية، وقد أسهمت في إعداد أجيال تجمع بين المعرفة الأكاديمية والوعي الديني. ويُعد هذا النموذج أحد أبرز الأمثلة على نجاح الدولة في إدماج الهوية الإسلامية ضمن إطار تعليمي حديث.([12])
وفي المملكة المتحدة، برزت تجربة المدارس الإسلامية التي تعمل ضمن النظام التعليمي البريطاني، حيث تلتزم هذه المدارس بتدريس المنهج الوطني مع إضافة مواد الهوية الإسلامية. وتُعد مدارس مثل Al-Hijrah School مثالًا واضحًا على هذا النموذج، إذ حققت نتائج متقدمة أكاديميًا، مع المحافظة على القيم الدينية واللغة العربية، مما يدل على إمكانية التعايش الإيجابي بين الاندماج المجتمعي والحفاظ على الهوية.([13])
دول الاتحاد الأوروبي: فكل دولة فيه كإسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا متمسكون بلغتهم الوطنية، ولا يسمحون بالتدريس بغيرها في جميع مراحل التعليم العام، على عكس ما نراه في دول العالم النامي التي يتم التعليم فيها بلغة غير لغتها الأم؛ باعتبار أن لغة القوى العظمى المهيمنة اليوم كأمريكا، مما يجعلنا نتساءل عن تأثير الأمر على هويات الشعوب. ([14])
الفلبين: لقد ظلت الدولة تؤمن بأهمية التعليم الثنائي للغة لمدة 37 عاماً، لكنها تراجعت عن الفكرة وتبنت التعليم باللغة الأم بعد ان قام البروفيسور دينا أوكامبو استاذ التربية في جامعة الفلبين بنشر مقال اوضح فيه نتائج عدد من الدراسات الدولية في العالم، التى ترى أن التدريس باللغة الأم يرفع من مقدرة الطفل في اكتساب اللغة الثانية، وفي تحصيله العلمي بشكل عام، وأنهم يتعلمون بشكل أفضل إذا كانت لغة التعليم هي لغتهم الأم. ([15])
التوصيات لتعزيز الهوية العربية الإسلامية لطلاب مدارس التعليم الدولي:
بشكل مجمل
أولا:- تأهيل وتوجيه الأسرة للقيام بدورها المأمول منها من خلال :-
- الاختيار الأنسب من المدارس المتاحة وفق ما تريد أن يزرع في نفوسهم.
- ب- بث الوعي لدى الأبناء بأهمية التمسك بكل ما أمر الله به لعمارة الأرض والاعتزاز بتاريخ الوطن وإنجازاته، وتعويد الأبناء على التعاون والتكافل مع مجتمعهم، والاهتمام بقضايا الوطن ومستقبله، والالتزام بعاداته وقوانينه، والشعور بالمسؤولية المجتمعية نحوه.
- ج- متابعة المدرسة من حيث الأركان الأساسية المعلم والمنهج والبيئة والأنشطة والإدارة المدرسية.
د- تكاتف الاسرة مع المنظمات المجتمعية (إعلام/ دور عبادة/ مؤسسات المجتمع المدني/ الأهلية) ومع وزارة التربية والتعليم من أجل الدفاع عن الهوية الثقافية العربية والمحافظة عليها.
ثانيا دور وزارة التربية والتعليم:- الدور المنشود لها في وضع السياسات والسعي في تنفيذها بالتعاون مع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونقترح تكوين لجنة معتمدة تتابع المدارس بالتعاون مع مجالس أولياء الأمور والمجالس الطلابية في:-
أ- جعل اللغة العربية هي اللغة الأولى في كل مدارس اللغات والمدارس الدولية حتى انتهاء المرحلة الابتدائية على أقل تقدير، وتكون موازية في أهميتها وتدريسها للغة الأجنبية في بقية المراحل التعليمية.
ب- التنسيق بين مناهج اللغات الأجنبية واللغة العربية، بحيث لا تتعارض موضوعاتها واحتفالاتها مع القيم الإسلامية وثقافة البلد.
ت- أن تشتمل موضوعات كتب اللغة العربية والتربية الإسلامية على ما يميز الهوية الثقافية الإسلامية عن الهوية الثقافية لغير المسلمين وموقف المسلمين فيما هو مخالف لهويتهم.
ث- توظيف منهج اللغة الإنجليزية بالتكامل مع غيره من المناهج الدراسية للمحافظة على هوية المجتمع الثقافية من خلال تضمينه قيماً دينية وخلقية واتجاهات سلوكية إيجابية نحو المجتمع، وتمكين المتعلم من تعرفه على نظرة الآخر له، وكيفية التعامل معه من منطلق قيم الدين التي تدعو للتسامح والسلام والتعاون.
ج- إخضاع مقررات التعليم الدولي للبحث والتحليل للوقوف على مدى توافقها مع الهوية الثقافية الإسلامية.
ح- إلزام المدارس الدولية باشتمال مناهجها على ما يميز الهوية الإسلامية وموقف المسلمين فيما هو مخالف لهويتهم وأثر الحضارة الإسلامية على الحضارات الغربية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. جميلة الشعبي؛ عضو ونائب رئيسة النشاط النسائي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
[1]- العجمى، محمد عبدالسلام: بعض مسئوليات التعليم العالى تجاه تعزيز الهوية العربية الإسلامية فى عصر العولمة, جامعة الأزهر - كلية التربية, 2005م, ص40
[2]- العجمى، محمد عبدالسلام: بعض مسئوليات التعليم العالى تجاه تعزيز الهوية العربية الإسلامية فى عصر العولمة, ص41
[3] - محمود، أيسم سعد محمدي: تعزيز الهوية الثقافية العربية في مدارس التعليم الأجنبي: دراسة ميدانية, جامعة القاهرة - كلية الدراسات العليا للتربية, 2017م, ص56
[4]- مجاهد, محمد ابراهيم عطوه: بعض مخاطر العولمة التى تهدد الهوية الثقافية للمجتمع ودور التربية في مواجهتها, مستقبل التربية العربية, 2001م, ص181
[5]- الصالحى, هدى بنت محمد سويلم: واقع التعليم الاجنبى وتداعياته على الهوية الثقافية للطلاب , مجلة العلوم التربوية والنفسية, 2021م, ص1225.
[6]- الصالحى, هدى بنت محمد سويلم: واقع التعليم الاجنبى وتداعياته على الهوية الثقافية للطلاب’ ص1232
[7]- الصالحى, هدى بنت محمد سويلم: واقع التعليم الاجنبى وتداعياته على الهوية الثقافية للطلاب, ص1233
[8]- على, سعيد اسماعيل: واقع التعليم الاجنبى ومشكلاته في الدول الاسلامية واثره على الهوية, مجلة الجامعة الاسلامية, مصر, 2014م, ص66.
[9]- العبيد، صالح بن عبد الله: تطور التعليم في المملكة العربية السعودية, مكتبة الرشد، الرياض, 2015، ص 132.
[10]- Romanowski, Michael H. Qatar’s Educational Reform: The Experiences and Perceptions of Educators. Doha: Qatar University Press, 2012, p. 98.
[11]- حسن، محمد كمال: إصلاح التعليم في العالم الإسلامي: النموذج الماليزي, , المعهد العالمي للفكر الإسلامي، كوالالمبور ,2010، ص 85.
[12] - Yavuz, M. Hakan. Islamic Political Identity in Turkey. Oxford: Oxford University Press, 2003, p. 145.
[13] Hewer, Christopher. Schools for Muslims. Oxford: Oxford University Press, 2001, p. 112.
[14]- داود, محمد محمد إمام: علاقة اللغة العربية بالسيادة الوطنية والهوية, مجلة كلية اللغة العربية, الزقازيق, 2013م, ص1540
[15] - الزوادى, محمود حبيب:علاقة الهوية باللغة بين التنظير والواقع, مجلة حوليات الاداب والعلوم الاجتماعية, 2013م, ص34.