في سياق التصعيد الصهيوني المتواصل في القدس المحتلة، والذي يشمل تكثيف الاقتحامات للمسجد الأقصى وتوسيع السيطرة الاستيطانية داخل البلدة القديمة، أعادت حكومة الاحتلال فتح ملفات أوامر نزع ملكية تعود إلى عقود مضت في حي باب السلسلة، في خطوة تنذر بموجة جديدة من التهجير القسري والاستيلاء على عقارات فلسطينية تاريخية ملاصقة للمسجد الأقصى.
ويأتي التحرك الصهيوني الجديد في ظل صعود نفوذ التيارات اليمينية والاستيطانية داخل حكومة الاحتلال، وسعيها إلى فرض وقائع تهويدية متسارعة في القدس، خصوصاً في المناطق المحيطة بالأقصى، التي تشكل مركز الصراع على الهوية والسيادة في المدينة.
ويُعد حي باب السلسلة أحد أكثر المواقع حساسية واستراتيجية داخل البلدة القديمة في القدس، نظراً لموقعه المحاذي للجدار الغربي للمسجد الأقصى، وكونه ممراً تاريخياً رئيسياً يربط بين المسجد والأسواق الحيوية في البلدة القديمة، إضافة إلى قربه من حائط البراق.
ولا تنبع أهمية الحي من موقعه الجغرافي فحسب، بل أيضاً من طابعه التاريخي والديني، إذ يضم عقارات وأوقافاً إسلامية تعود إلى العهود الأيوبية والمملوكية والعثمانية، من أبرزها المدرسة الطشتمرية ومكتبة الخالدية، ما يجعل استهدافه جزءاً من محاولات طمس الطابع العربي والإسلامي للبلدة القديمة.
كما ينظر الاحتلال إلى المنطقة باعتبارها ذات أهمية أمنية، إذ تشكل إحدى النقاط التي تنطلق منها قواته خلال اقتحامات المسجد الأقصى، فيما يوفر إحكام السيطرة عليها "عمقاً أمنياً" إضافياً حول المسجد، إلى جانب السعي لإعادة هندسة التركيبة السكانية في البلدة القديمة عبر تفكيك الحزام البشري الفلسطيني المحيط بالأقصى.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام فلسطينية عن مصادر عبرية، فقد أقرت حكومة الاحتلال تشكيل لجنة مشتركة برئاسة المدير العام لما يسمى "وزارة القدس والتقاليد اليهودية"، تضم ممثلين عن وزارات القضاء والمالية والخارجية والإسكان، إضافة إلى "سلطة أراضي إسرائيل" وبلدية القدس و"شركة إعادة تأهيل وتطوير الحي اليهودي"، لدراسة آليات تنفيذ القرار.
ويركز القرار بصورة خاصة على شارع باب السلسلة، الذي يشكل خطاً فاصلاً بين الحيين الإسلامي واليهودي، وطريقاً تجارياً وسياحياً رئيسياً يصل بين باب يافا وساحة برج داود وصولاً إلى ساحة البراق.
وتتولى اللجنة دراسة الوضع القانوني والميداني للعقارات التي لم تستكمل إجراءات مصادرتها استناداً إلى قانون الأراضي الانتدابي لعام 1943، مع إعداد خطة لتجاوز العقبات القانونية والتخطيطية والهندسية خلال 12 شهراً، بناء على مقترح قدمه وزير القضاء الصهيوني ياريف ليفين.
وفي المقابل، حذرت المستشارة القانونية لوزارة المالية الصهيونية من أن تسريع تنفيذ القرار من دون مشاورات معمقة قد يخلق تعقيدات قانونية كبيرة.
وكان وزير القدس والتراث السابق في حكومة الاحتلال مئير بروش قد وقّع، في يوليو 2025، قراراً يقضي بالاستيلاء على عقارات في حي باب السلسلة، قبل يوم واحد فقط من استقالته من منصبه.
استهداف للوجود الفلسطيني
وقال مدير دائرة الإعلام في محافظة القدس عمر الرجوب إن مصادقة سلطات الاحتلال على مخطط الاستيلاء على عقارات فلسطينية ملاصقة للمسجد الأقصى تمثل "تصعيداً استعمارياً خطيراً" يهدف إلى تهجير السكان المقدسيين وتعزيز السيطرة الاستيطانية على محيط الأقصى.
وأوضح الرجوب، في تصريح صحفي، أن القرار يأتي تنفيذاً لتوصية سابقة صادرة عن وزير القدس والتراث السابق، لإحياء قرار استيلاء يعود إلى عام 1968 بذريعة "تعزيز السيطرة اليهودية والأمن" في المنطقة.
وأضاف أن المخطط يستهدف ما بين 15 و20 عقاراً فلسطينياً تاريخياً، فيما قدّرت وسائل إعلام صهيونية عدد العقارات المستهدفة بنحو 50 عقاراً، تعود ملكيتها لعائلات مقدسية وتضم مباني وأوقافاً إسلامية تاريخية.
وأكد الرجوب أن حي باب السلسلة يمثل أحد أهم الممرات المؤدية إلى المسجد الأقصى، وأن استهدافه يندرج ضمن سياسة صهيونية ممنهجة تهدف إلى تفريغ محيط الأقصى من سكانه الفلسطينيين وفرض وقائع تهويدية جديدة داخل البلدة القديمة.
وأشار إلى أن المنطقة تضم معالم تاريخية بارزة، من بينها المدرسة الطشتمرية، لافتاً إلى أن سلطات الاحتلال استولت عام 1968 على نحو 116 دونماً من أراضي البلدة القديمة بذريعة "المنفعة العامة"، ما شكّل أساساً لتوسيع ما يسمى "الحي اليهودي" من خمسة دونمات قبل عام 1948 إلى نحو 133 دونماً لاحقاً، معظمها عبر مصادرة أملاك فلسطينية خاصة.
وأضاف الرجوب أن قرارات الاستيلاء الأصلية صدرت بعد عام واحد فقط من احتلال القدس الشرقية وضمها، بناء على توصيات المستشار القضائي لحكومة الاحتلال آنذاك مائير شيمجار، فيما أُوكلت إدارة العقارات المصادرة إلى "شركة إعادة تأهيل وتطوير الحي اليهودي".
وأضاف أن الاحتلال يحاول توظيف باب السلسلة في زيادة أعداد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، مشيراً إلى استخدام هذا المسار خلال الفترة الأخيرة للوصول إلى الحي اليهودي وتنفيذ الاقتحامات.
قرار مجمّد منذ عقود
من جهته، قال المتخصص في شئون القدس المستشار مدحت ديبة، في تصريحات لـوكالة "وفا"، إن حكومات الاحتلال المتعاقبة امتنعت طوال العقود الماضية عن تنفيذ قرار الاستيلاء خشية تداعياته السياسية والشعبية والدولية، خصوصاً أن جميع سكان العقارات المستهدفة من الفلسطينيين.
وأضاف أن استمرار الأهالي في حيازة العقارات طوال أكثر من خمسة عقود يُضعف المبررات القانونية لتنفيذ القرار حالياً، موضحاً أن التأخر في التنفيذ لمدة 58 عاماً يثير تساؤلات جدية بشأن قانونيته وجدواه.
وأشار ديبة إلى أن عدم تنفيذ القرار منذ عام 1968 حتى اليوم يمكن اعتباره بمثابة تراجع ضمني عن هدفه الأساسي، خاصة أن التجار الفلسطينيين واصلوا استخدام العقارات وإدارتها بصورة متواصلة طوال هذه الفترة.
ورأى أن حكومة الاحتلال الحالية تختلف عن سابقاتها، في ظل تصاعد نفوذ القوى الداعمة للاستيطان وتهجير الفلسطينيين داخل الائتلاف الحاكم، وسعيها إلى إحياء مشاريع وقرارات استعمارية جُمّدت لعقود.
وأوضح أن الاحتلال يستند في محاولته الجديدة إلى وقوع العقارات ضمن ما يسمى "الحي اليهودي"، فضلاً عن الموقع الاستراتيجي الحساس المحاذي للمسجد الأقصى.
وختم ديبة بالإشارة إلى أن "شركة تطوير الحي اليهودي" تقدمت رسمياً بطلب إلى حكومة الاحتلال لمنحها الضوء الأخضر لتنفيذ قرار الاستيلاء، عبر عقد جلسة خاصة لبحث الملف، مؤكداً أن الموافقة النهائية لم تُمنح حتى الآن.