أكدت محافظة القدس أن سلطات الاحتلال الصهيوني صعدت مسار التهويد في قرية النبي صموئيل شمال غرب القدس المحتلة بإصدار قرار جديد يقضي بالاستيلاء على نحو 109.79 دونمات من الأراضي الواقعة في محيط بلدتي النبي صموئيل وبيت إكسا، بذريعة "المصلحة العامة" و"تطوير موقع أثري"، في خطوة خطيرة تمتد -وفق نص القرار- إلى الأراضي المقام عليها مسجد النبي صموئيل التاريخي، بما يثير مخاوف حقيقية من استكمال سيطرة الاحتلال على المسجد ومحيطه بالكامل.

وبحسب بيان لمحافظة القدس، ظهر اليوم الثلاثاء، فإن ما يجري في القرية منذ احتلال القدس عام 1967 لا يمكن قراءته باعتباره إجراءات تنظيمية أو مشاريع "تطوير مواقع أثرية"، بل هو مسار تهويدي متكامل يستهدف الأرض والرواية والسكان والمقدسات الإسلامية في آنٍ واحد.

ويُعد مسجد النبي صموئيل من أبرز المعالم الإسلامية التاريخية في محيط القدس، ويقع فوق موقع أثري تعود طبقاته الحضارية إلى فترات متعددة، بينما يحمل المبنى القائم طابعًا معماريًا إسلاميًا واضحًا، تعود أبرز ملامحه إلى الحقبة الأيوبية والمملوكية، ويضم المسجد مقامًا يُنسب إلى النبي صموئيل عليه السلام، وظلّ عبر قرون موقعًا دينيًا إسلاميًا مفتوحًا للمصلين والزوار.

ووفق محافظة القدس، فإن الاحتلال عمل منذ عام 1967 على إعادة توظيف الموقع دينيًا وسياسيًا، مستندًا إلى رواية توراتية تدّعي وجود "قبر النبي صموئيل" في المكان، وبالتوازي مع ذلك، شرع الاحتلال بفرض وقائع ميدانية تدريجية في داخل المسجد ومحيطه، بدأت بتقييد وصول الفلسطينيين إليه، ثم تحويل أجزاء منه إلى كنيس يهودي، وصولًا إلى تقليص المساحات المخصصة لصلاة المسلمين وحصرها في قاعة صغيرة فقط، بينما باتت غالبية مرافق الموقع خاضعة لسيطرة الاحتلال المباشرة.

وفي عام 1971، هدمت قوات الاحتلال معظم منازل قرية النبي صموئيل، وهجّرت سكانها بذريعة حماية "آثار نادرة"، ولم يبقَ اليوم سوى نحو 300 فلسطيني يعيشون في ظروف قاسية ومعزولة، بعد اقتلاع القسم الأكبر من السكان الأصليين. ولاحقًا، أعلنت سلطات الاحتلال في عام 1995 المنطقة المحيطة بالقرية "حديقة قومية"، وصادرت آلاف الدونمات تحت هذا التصنيف، لتتحول القرية فعليًا إلى "قرية أسيرة داخل حديقة".

وأكدت محافظة القدس أنه لم تُظهر الحفريات الأثرية التي تنفذها سلطات الاحتلال في الموقع منذ عام 1992 أدلة تثبت الرواية اليهودية التي يُروَّج لها، بل أظهرت معالم وآثارًا إسلامية واضحة، على رأسها المسجد التاريخي نفسه. ومع ذلك، تواصل السلطات الإسرائيلية استخدام "علم الآثار" أداةً سياسيةً لتكريس رواية أحادية حول المكان، وإقصاء الرواية الفلسطينية والإسلامية عنه.

ووفق محافظة القدس، تكشف التجربة الممتدة في النبي صموئيل أن الاحتلال يستخدم مفاهيم مثل "الترميم" و"التطوير" و"الحفاظ على التراث"، "باعتبارها أدوات استعمارية ناعمة لفرض سيادة الاحتلال على القدس ومحيطها".

وأضافت أن "المشاريع التي تُقدَّم للسياح والزوار باعتبارها مشاريع حفظ مواقع أثرية، تُستخدم فعليًا لإعادة تشكيل هوية المكان بصريًا وثقافيًا وسياسيًا".

ووفق بيان المحافظة، "تُقدَّم الرواية اليهودية في اللوحات الإرشادية والمنشورات السياحية داخل الموقع، بينما تُغيَّب الرواية الإسلامية بالكامل، رغم أن المسجد والمقام والقرية نفسها تشكل جزءًا أصيلًا من التاريخ العربي والإسلامي للقدس".

وفي الوقت ذاته، يُمنع أهالي القرية من البناء أو الترميم أو استصلاح أراضيهم أو حتى زراعة الأشجار دون الحصول على تصاريح من "الإدارة المدنية" الصهيونية، وهي تصاريح نادرًا ما تُمنح، كذلك يخضع السكان لنظام عزل وحصار عبر الحواجز والجدار، ما حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة دائمة.

ولم يقتصر الأمر على مصادرة الأراضي والتضييق على السكان، بل امتد إلى استهداف المسجد نفسه مباشرةً، فقد وثّقت محافظة القدس استخدام قوات الاحتلال سطح المسجد لأغراض عسكرية ومراقبة، إلى جانب تنظيم فعاليات تهويدية في محيطه، بينما جرى الاستيلاء التدريجي على أجزاء من المبنى وتحويلها لخدمة الطقوس اليهودية. وسرقت سلطات الآثار الإسرائيلية مواد أثرية من داخل المسجد بحجة "الترميم"، في سياق يُنظر إليه باعتباره محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الطابع التاريخي للمكان بما يخدم الرواية الصهيونية.

وفي سبتمبر 2025 بدأت سلطات الاحتلال إصدار بطاقات خاصة وتصاريح دخول لأهالي النبي صموئيل وحيّ الخلايلة، وأصدرت التصاريح تباعاً لأهالي قرية بيت إكسا، وذلك بعد تصنيفها "مناطق تماس".

وأكدت محافظة القدس أن قرار الاستيلاء الأخير على نحو 109.79 دونمات من أراضي بلدتي النبي صموئيل وبيت إكسا جاء ليشكّل حلقة جديدة في هذا المسار، إذ لم يعد الحديث يدور فقط حول السيطرة على الأراضي المحيطة، بل عن فرض سيادة الاحتلال مباشرة على كامل الفضاء الديني والأثري للقرية، بما يشمل المسجد التاريخي نفسه.

وقالت المحافظة إن "ما يجري في النبي صموئيل لا يمكن فصله عن سياسات الاحتلال الأوسع في القدس المحتلة، القائمة على تقليص الوجود الفلسطيني وتوسيع السيطرة الاستيطانية وربط المستوطنات المحيطة بالمدينة ضمن حزام جغرافي واحد، فالقرية تقع في موقع استراتيجي بين مستوطنتي (جفعات زئيف) و(جفعون)، وتسعى إسرائيل لدمجهما ضمن المجال الحضري الاستيطاني للقدس".

وأضافت المحافظة أن المواقع الأثرية والدينية الفلسطينية تحولت إلى أدوات سياسية تُستخدم لإعادة هندسة المكان ديمغرافيًا ورمزيًا، بينما يُدفع الفلسطينيون تدريجيًا نحو التهجير القسري الصامت بفعل الحصار ومنع البناء وتقييد سبل الحياة، داعية إلى "تحرك دولي فعّال من قبل المؤسسات الأممية والدولية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو، لحماية مسجد النبي صموئيل ومحيطه باعتباره جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي والديني الفلسطيني، ووقف استخدام الآثار أداةً استعماريةً لفرض الوقائع وتغيير الهوية التاريخية للقدس المحتلة".