لم تعد معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة تقتصر على البحث عن مكان آمن يحتمي من القصف، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية الأكثر بساطة؛ من سرير للنوم، إلى خزانة تحفظ الملابس، وصولًا إلى مرافق صحية بدائية تساعد على تأمين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية داخل الخيام.
ومع استمرار الحرب واتساع رقعة الدمار والنزوح، وغياب كثير من الاحتياجات الأساسية من الأسواق، وجد آلاف النازحين أنفسهم أمام واقع جديد فرض عليهم إعادة ابتكار أدوات حياتهم اليومية من مخلفات البيوت المدمرة، أو مما توفر من البيئة المحيطة، في مشهد تختلط فيه قسوة الحرب بمحاولات مستمرة للتأقلم والبقاء.
أثاث من "المشاتيح”
على عتبات خيمة صغيرة في مواصي خان يونس، يقف تامر حمدان (32 عامًا) يتأمل بسرور سريرًا استغرق إنجازه ثلاثة أيام متواصلة، بعدما أمضى شهورًا طويلة ينام على فرشة مهترئة فوق أرضية رطبة داخل خيمته.
ويقول حمدان: "لم أتخيل أن يطول النزوح لهذه الدرجة. في البداية اعتقدنا أن المسألة أيام ونعود، لكن الوقت طال، وصارت الحياة داخل الخيمة تحتاج لأشياء أساسية حتى نقدر نتحملها”.
ويضيف: "اشتريت أخشاب المشاتيح رغم غلائها وصنعت منها سريرًا بسيطًا، لأن النوم على الأرض صار متعبًا جدًا، خصوصًا مع الرطوبة والبرد. نفسي أعمل أسرّة للأولاد كمان، لكن كل شيء غالي وصعب”.
وباتت أخشاب قواعد البضائع التجارية، المعروفة محليًا باسم "المشاتيح"، مادة أساسية يعتمد عليها النازحون في صناعة أسرّة وطاولات وكراسٍ ودواليب صغيرة، بعدما تحولت إلى البديل الأكثر حضورًا في ظل غياب الأثاث التقليدي من الأسواق.
منجرة بين الشوادر
وعلى شارع الرشيد الساحلي غرب خان يونس، أعاد ناهض أبو عزب افتتاح منجرته داخل مساحة بسيطة تغطيها الشوادر البلاستيكية، بعد أن دمّرت الحرب منجرته الأساسية في بلدة عبسان شرق المدينة.
يقول أبو عزب: "قبل الحرب كنت أشتغل بالأبواب والنوافذ وغرف النوم، واليوم تغير كل شيء. صرنا نشتغل بما هو متوفر، ونعيد استخدام أخشاب بسيطة جدًا حتى نلبّي احتياجات الناس داخل الخيام”.
ويضيف: "الناس بدها أي شيء يساعدها تعيش؛ كرسي، طاولة، خزانة صغيرة أو حتى قاعدة مرتفعة عن الأرض. ومع غلاء المواد وانقطاع معظم البضائع، صار التدوير جزءًا من يومنا وشغلنا”.
مرافق صحية من الركام
وفي زاوية صغيرة غرب خان يونس، يعرض يوسف سعود (25 عامًا) مراحيض منزلية بديلة جرى تصنيعها من ألواح الرخام والسيراميك التي أُعيد جمعها من البيوت والمنشآت المتضررة.
ويقول سعود: "البديل صار ضرورة. المراحيض الجاهزة شبه مفقودة، والمتوفر منها سعره مرتفع جدًا، لذلك بدأ الناس تبحث عن حلول بأي طريقة”.
ويضيف: "حتى أحواض غسل الأواني صرنا نعملها من أوعية معدنية قديمة مثبتة على قواعد خشبية. الناس بتحاول توفر أي شيء يساعدها داخل الخيمة، ولو بإمكانيات بسيطة جدًا”.
الملابس القديمة تتحول إلى أدوات يومية
ولم تقتصر محاولات التكيّف على الأثاث فقط، بل امتدت إلى الملابس والأقمشة القديمة التي فقدت وظيفتها الأساسية وتحولت إلى أدوات تُستخدم يوميًا داخل الخيام.
وتقول أم محمد النجار، وهي نازحة في مواصي خان يونس: "كل قطعة قماش صار إلها قيمة. البطانيات القديمة والملابس التالفة استخدمناها كستائر داخلية، حتى نفصل بين مكان نوم الأولاد وباقي الخيمة ونحافظ على خصوصيتنا”.
وتتابع: "في أشياء كنا نعتبرها بسيطة جدًا قبل الحرب، واليوم صارت ضرورية. حتى الأقمشة القديمة صرنا نخيط منها أغطية لحفظ الملابس أو المواد الغذائية داخل الخيمة”.
العبوات الفارغة.. مخزن للمياه والحاجات الأساسية
وفي ظل أزمة المياه المتفاقمة، أصبحت العبوات البلاستيكية الفارغة جزءًا من المشهد اليومي داخل المخيمات.
ويقول سالم أبو شمالة، من مخيم غرب خان يونس: "العبوة البلاستيكية اليوم إلها قيمة كبيرة. بنستخدمها لنقل المياه وتخزينها لأيام، خصوصًا مع صعوبة توفر المياه بشكل منتظم”.
ويضيف: "حتى العبوات الصغيرة صارت وسيلة لحفظ الزيت أو الطحين أو أي شيء أساسي، لأن البدائل غير موجودة أو أسعارها فوق قدرة الناس”.
سعف النخيل بديلًا عن الخشب
وفي أطراف المخيمات، برز سعف النخيل كأحد البدائل التي فرضتها الحاجة.
ويقول مصطفى الأغا (42 عامًا): "في البداية استخدمناه للتظليل فقط، وبعد فترة صار الناس يصنعون منه خزائن بسيطة وفواصل داخلية داخل الخيام”.
ويضيف: "الخشب غالي ونادر، والسعف متوفر في بعض المناطق الزراعية، لذلك بدأنا نستفيد منه لحفظ الملابس والأغطية وإبعادها عن الرمل والرطوبة”.
الركام يتحول إلى وسيلة للبقاء
ولم تعد بقايا المنازل المدمرة مجرد مشهد من آثار الحرب، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات.
ويقول محمود بركة، وهو نازح من شرق خان يونس: "الحجارة وبقايا الباطون صارت تُستخدم لتثبيت الخيام حتى ما تتحرك مع الهواء، وأحيانًا نستفيد من الحديد والصفائح المعدنية في عمل حواجز أو أبواب مؤقتة”.
ويضيف: "ما حدا كان يتوقع نوصل لمرحلة نصنع فيها احتياجاتنا من بقايا بيوتنا، لكن هذا هو الواقع اليوم”.
اقتصاد فرضته الحرب
ويرى مختصون اقتصاديون أن ما تشهده غزة اليوم يمثل شكلًا واضحًا من "الاقتصاد الدائري"، القائم على إعادة استخدام المواد والمخلفات وتحويلها إلى منتجات جديدة.
لكن هذا النموذج في غزة لا يأتي ضمن خطط تنموية أو بيئية، بل فرضته ظروف الحرب، بعد انهيار الأسواق، ومنع دخول كثير من المواد الخام، وارتفاع نسب الفقر والبطالة.
وفي ظل هذا الواقع، باتت إعادة استخدام الركام ومخلفات البيوت والمواد البسيطة المتوفرة ضرورة يومية تفرضها الحاجة، بينما يحاول الفلسطينيون داخل الخيام صناعة ما يساعدهم على الاستمرار، والتمسك بأبسط مقومات الحياة.
في غزة اليوم، لم يعد الركام مجرد أثر خلّفته الحرب، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى مورد جديد للحياة، وإلى مساحة يواجه فيها الفلسطينيون قسوة الحرب بابتكارٍ يومي يصرّ على البقاء برغم كل شيء.