قوات احتلال مدججة، مستوطنون يدخلون تحت الحراسة المشددة، مصلون يجري التضييق عليهم، مدينة يجري دفعها إلى حافة الانفجار.. حين تتكرر المشاهد نفسها في باحات المسجد الأقصى يصبح سؤال لماذا تتكرر اقتحامات الأقصى سؤالًا سياسيًا بامتياز، لا مجرد استفسار خبري. فالمسألة لا تتعلق بحوادث منفصلة، ولا بردود فعل أمنية عابرة، بل بسياسة صهيونية متدرجة ومقصودة تستهدف المكان، والهوية، والسيادة، والوعي العام معًا.
الأقصى ليس موقعًا دينيًا فقط في الحسابات الفلسطينية، بل عنوان صريح للوجود العربي والإسلامي في القدس؛ ولهذا فإن أي اقتحام لا يُقرأ بوصفه زيارة عابرة كما تحاول الرواية الإسرائيلية تسويقه، بل كفعل اقتحامي محمي بالقوة، يحمل رسالة مباشرة مفادها أن الاحتلال يريد إعادة تعريف من يملك القرار في المسجد، ومن يحق له الحركة فيه، ومن يُعامل فيه كصاحب حق، ومن يُعامل كطارئ في أرضه ومقدساته.
لماذا تتكرر اقتحامات الأقصى؟
الجواب الأقرب إلى الواقع أن الاقتحامات تتكرر لأنها جزء من مشروع الاحتلال المستمر، لا من استثناء مؤقت. الاحتلال لا يتعامل مع الأقصى باعتباره ملفًا حساسًا يجب تجنب تفجيره، بل باعتباره ساحة قابلة لإعادة الهندسة السياسية والدينية بالتدرج، وكل اقتحام جديد يختبر حدود الرد الفلسطيني، ويقيس ردود الفعل العربية والإسلامية، ويراقب موقف المجتمع الدولي الذي غالبًا ما يكتفي بلغة القلق دون أي كلفة حقيقية على المعتدي.
التكرار هنا أداة بحد ذاته. حين يتحول المشهد إلى روتين، يصبح ما كان صادمًا بالأمس أقل صدمة اليوم. وهذه واحدة من أخطر آليات الاحتلال – تحويل الانتهاك إلى أمر اعتيادي، ثم البناء عليه قانونيًا وأمنيًا وإعلاميًا. لذلك لا يمكن فهم تكرار الاقتحامات من دون فهم منطق التراكم: خطوة صغيرة اليوم تمهد لخطوة أكبر غدًا.
الأقصى في قلب مشروع التهويد
القدس ليست هامشًا في المشروع الصهيوني، والأقصى ليس تفصيلًا داخل المدينة. منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، عملت سلطات الاحتلال على تغيير طابع المدينة ديموجرافيًا وعمرانيًا ورمزيًا. وكان الأقصى دائمًا في مركز هذا الاشتباك، لأنه يمثل آخر ما تبقى من المعنى السياسي والديني والسيادي الفلسطيني في القدس المحتلة.
لهذا تأتي الاقتحامات ضمن مسار أشمل: تضييق على الأوقاف، ملاحقة للمرابطين، إبعاد للنشطاء والحراس، تحكم في أبواب المسجد، تدخل في أعمال الترميم، واستعراض قوة داخل الحرم نفسه. الفكرة ليست فقط السماح للمستوطنين بالدخول، بل تكريس أن الاحتلال هو من ينظم إيقاع المكان ويحدد قواعد الوصول إليه.
هنا يجب الانتباه إلى أن التهويد لا يتحرك بالضرورة بقفزات درامية دائمًا. أحيانًا يتحرك عبر تفاصيل تبدو إجرائية – زيادة أعداد المقتحمين، تمديد أوقات الاقتحام، حماية طقوس تلمودية علنية، تشديد القيود على المصلين المسلمين في الأعياد والجمع والمواسم. لكن هذه التفاصيل حين تجتمع تصنع تغييرًا فعليًا في ميزان السيطرة.
من الاقتحام إلى محاولة فرض التقسيم
أحد الأسباب الجوهرية لتكرار الاقتحامات هو السعي إلى فرض تقسيم زماني ومكاني للأقصى، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي بالخليل. صحيح أن الاحتلال لا يعلن ذلك دائمًا بصيغة رسمية نهائية، لكنه يراكم الوقائع في هذا الاتجاه: ساعات محددة للمقتحمين، إجراءات تفريغ للمصلين، مناطق يُمنع فيها الاعتراض، وسماح متزايد بمظاهر دينية يهودية داخل المسجد.
هذا المسار لا يتقدم بالسرعة نفسها في كل مرحلة، لأنه يصطدم أحيانًا بالمقاومة الشعبية وبحساسية الملف إقليميًا. لكنه لا يتوقف. وحين تتراجع الضغوط، يعود الاحتلال لدفع الخطوة التالية. لذلك يبدو التكرار لكثيرين استفزازًا متواصلًا، بينما هو في الحسابات الإسرائيلية وسيلة اختبار وإنجاز تدريجي في آن واحد.
ووثقت المحافظة في تقريرها الشهري عن مايو 2026ارتقاء ثلاثة شهداء، واقتحام 7244 مستوطنا للمسجد الأقصى المبارك، إلى جانب تسجيل 101 حالة اعتقال، وأكثر من 67 قرار إبعاد، و84 عملية هدم وتجريف، في سياق سياسة تستهدف فرض واقع جديد في المدينة وتكريس السيطرة الاستعمارية عليها.
دور جماعات الاستيطان الصهيوني
لا يمكن تفسير المشهد من دون التوقف عند الجماعات الاستيطانية المتطرفة التي جعلت من اقتحام الأقصى برنامجًا سياسيًا ودينيًا معلنًا. هذه الجماعات لا تتحرك على هامش الدولة، بل تزداد قدرتها على التأثير داخل المؤسسة السياسية والأمنية. وكثير من رموزها باتوا جزءًا من الحكم أو مناخه العام، ما يعني أن الفاصل بين تحريض الشارع الاستيطاني وقرار الحكومة بات أضعف من أي وقت مضى.
هذه الجماعات تدفع نحو أمرين في وقت واحد: تكثيف الاقتحامات، وتغيير طبيعتها. لم يعد الهدف مجرد دخول رمزي، بل ممارسة طقوس، والانحناء والسجود العلني، وإدخال أدوات وملابس ذات دلالة دينية، والمطالبة بحق ثابت في المكان. هذا تطور خطير، لأنه ينقل الاقتحام من مستوى الاستفزاز السياسي إلى مستوى الادعاء الديني السيادي.
وفي المقابل، توظف حكومة الاحتلال هؤلاء الإرهابيين أحيانًا كورقة ضغط داخلية. فكلما احتاجت إلى تثبيت تماسك ائتلافها اليميني، أو الهروب من أزماتها، أو مخاطبة قاعدتها الانتخابية، يصبح الأقصى ساحة جاهزة لإرسال الرسائل. ومن هنا نفهم لماذا ترتفع وتيرة الاقتحامات في مناسبات عبرية معينة، أو في لحظات توتر سياسي داخلي.
البعد الأمني ليس تفسيرًا كافيًا
غالبًا ما يبرر الاحتلال إجراءاته في الأقصى بلغة الأمن والنظام العام. لكن هذه الرواية تخفي أكثر مما تكشف. لو كان الهدف أمنيًا صرفًا، لما رأينا تسهيلات منظمة للمستوطنين تحت حماية مئات العناصر، في مقابل منع آلاف الفلسطينيين من الوصول، أو الاعتداء عليهم، أو فرض الأعمار، أو إغلاق الأبواب، أو تحويل المسجد إلى ثكنة مؤقتة.
المسألة في جوهرها ليست أمنًا، بل استخدام الأمن كأداة لإدارة السيطرة. حين يصبح الفلسطيني في أقدس مقدساته موضوعًا للمنع والتفتيش والإبعاد، بينما يحصل المقتحم على ممر آمن وحماية رسمية، فإننا أمام معادلة استعمارية واضحة: صاحب الأرض يُعامل كخطر، والمعتدي يُعامل كصاحب امتياز.
هذا لا يعني أن الاحتلال لا يحسب حساب الانفجار. هو يفعل ذلك بدقة، ويحاول غالبًا أن يضغط إلى الحد الذي يحقق مكاسب دون أن يدفع أثمانًا كبيرة. لكن الحسابات الأمنية هنا تابعة للهدف السياسي، لا بديلًا عنه.
لماذا يصر الاحتلال على تطبيع الاقتحامات؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحققه في القدس هو تطبيع غير الطبيعي. الاحتلال يعرف أن المعركة على الأقصى ليست فقط معركة ميدان، بل معركة إدراك أيضًا. إذا اعتاد الرأي العام على مشاهد الاقتحام بوصفها خبرًا متكررًا لا يغير شيئًا، يكون قد انتزع جزءًا من قوة الرد المعنوي والسياسي.
تطبيع الاقتحامات يخدم الاحتلال في أكثر من اتجاه. فهو يرسخ في الوعي الصهيوني أن الوصول إلى الأقصى حق مكتسب، ويبعث رسالة للفلسطينيين بأن قدرتهم على المنع تضعف، ويختبر حدود رد الفعل الرسمي العربي، ويستفيد من انشغال العالم بأزمات أخرى. وكلما مر اقتحام واسع بلا تبعات، تحوّل إلى سابقة يُبنى عليها لاحقًا.
هنا يظهر فارق مهم بين الحدث الفردي والمسار العام. قد تبدو بعض الاقتحامات محدودة زمنيًا أو عدديًا، لكن قيمتها الحقيقية تقاس بما تضيفه إلى سلسلة السوابق. لهذا فإن قراءة كل اقتحام بمعزل عن سابقه ولاحقه تخدم الرواية الإسرائيلية أكثر مما تخدم فهم الواقع.
أين تقع المسئولية الدولية؟
قانونيًا، القدس أرض محتلة، والأقصى جزء من هذا الواقع الذي تحكمه قواعد واضحة في القانون الدولي. لكن المشكلة المزمنة أن النص القانوني شيء، وإرادة فرضه شيء آخر. الاحتلال يتحرك بثقة لأنه يدرك أن الإدانات اللفظية لا توقف جنديًا ولا تمنع مستوطنًا ولا تلغي قرارًا ميدانيًا.
هذا العجز الدولي لا يفسر الاقتحامات وحده، لكنه يشجع على استمرارها. حين لا تكون هناك كلفة سياسية حقيقية على انتهاك الوضع التاريخي والقانوني للمسجد، يصبح الاستمرار في الانتهاك خيارًا منخفض المخاطر. ومن هذه الزاوية، فإن تكرار الاقتحامات ليس فقط نتيجة تطرف إسرائيلي، بل أيضًا نتيجة فراغ ردعي عربي وإسلامي ودولي.
كيف يواجه الفلسطينيون هذا المسار؟
رغم شدة القمع، لم يتعامل الفلسطينيون مع الأقصى بوصفه ملفًا رمزيًا بعيدًا عن الحياة اليومية. الرباط، وشد الرحال، والحضور الكثيف في المواسم، والتصدي الشعبي في لحظات الخطر، كلها أسهمت مرارًا في تعطيل مخططات الاحتلال أو تأخيرها. وما جرى في محطات سابقة أثبت أن الإرادة الشعبية قادرة على فرض معادلات حين تتوفر لها الاستمرارية والاحتضان.
لكن المواجهة هنا ليست سهلة ولا ثابتة الوتيرة. فهي تتأثر بحجم القمع، وبسياسات الإبعاد والاعتقال، وبالظروف المعيشية، وبالانقسام السياسي الفلسطيني، وبالمناخ الإقليمي الأوسع. لذلك فإن الحديث عن حماية الأقصى لا ينبغي أن يُختزل في رد فعل موسمي، بل في بناء حالة وعي ومتابعة ومساندة دائمة، لأن الاحتلال يشتغل على النفس الطويل.
كما أن المعركة على الرواية لا تقل أهمية عن المعركة في الميدان. تسمية الأشياء بأسمائها مسألة جوهرية: ما يجري اقتحام، لا زيارة. وما يحدث في باحات المسجد فرض بالقوة، لا ممارسة حق طبيعي. وحين تُشوَّه اللغة، تُشوَّه معها حقيقة الصراع.
لماذا تتكرر اقتحامات الأقصى في هذا التوقيت تحديدًا؟
أحيانًا يرتبط التصعيد بمواسم دينية يهودية تسعى خلالها الجماعات المتطرفة إلى انتزاع مشاهد رمزية أكبر. وأحيانًا يتصل بأزمات حكومة الاحتلال وحاجتها إلى خطاب تعبئة داخلي. وفي أوقات أخرى يكون الهدف استباق أي حراك فلسطيني أو إقليمي بإثبات اليد العليا في القدس. لذلك لا يوجد توقيت واحد ثابت، لكن القاعدة أن الأقصى يُستخدم باستمرار كساحة اختبار ورسائل وفرض وقائع.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية. فحين تلتقي الحكومة اليمينية الأكثر تطرفًا مع جماعات تعتبر الأقصى محور مشروعها العقائدي، ومع بيئة دولية عاجزة أو متواطئة، يصبح خطر الانتقال من الاقتحامات المتكررة إلى تغييرات أعمق خطرًا واقعيًا لا افتراضيًا.
الأقصى لا يحتاج إلى موسم غضب عابر، بل إلى يقظة سياسية وشعبية تحرس المعنى قبل الحجر. وكل مرة يجري فيها طرح سؤال: لماذا تتكرر اقتحامات الأقصى، يجب أن يكون الجواب بداية فعل لا نهاية نقاش، لأن الاحتلال يراهن دائمًا على الوقت، بينما حماية المقدسات تبدأ من كسر هذا الرهان.