لم يكن الرضيع محمد أحمد الخطيب قد أكمل شهره الرابع حين وجد نفسه في مواجهة واحدة من أقسى صور الإبادة التي يعيشها قطاع غزة.
ففي عمر لا يدرك فيه الطفل معنى الفقد أو الألم، بات محمد شاهداً حياً على الكارثة الإنسانية التي خلّفها العدوان الصهيوني، والتي حولت آلاف الأطفال إلى مبتوري أطراف وأصحاب إعاقات دائمة.
محمد.. قصة تختصر وجع غزة
داخل غرفة العناية المركزة بأحد مستشفيات غزة، يرقد محمد الخطيب بعد أيام عصيبة قلبت حياته رأساً على عقب.
فقد الرضيع والدته التي استشهدت في غارة صهيونية بينما كانت تحتضنه محاولة حمايته من القصف، فيما نُقل هو من تحت الأنقاض مصاباً بجروح بالغة أدت إلى بتر إحدى قدميه، وسط مخاوف متزايدة من فقدان يده أيضاً نتيجة خطورة الإصابة وضعف الإمكانيات الطبية المتاحة.
وتحوّلت قصة محمد إلى نموذج مصغر لمأساة أوسع يعيشها أطفال غزة، الذين يدفعون أثماناً باهظة للحرب المستمرة منذ أشهر طويلة.
غزة.. أكبر تجمع للأطفال مبتوري الأطراف
وتشير المعطيات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة إلى تسجيل نحو ستة آلاف حالة بتر بين الجرحى منذ بدء الحرب، فيما يشكل الأطفال نحو ربع هذه الحالات، في أرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
ودفعت هذه الأرقام منظمات دولية وأممية إلى وصف قطاع غزة بأنه يضم أكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، في ظل استمرار القصف ونقص الخدمات الطبية وصعوبة حصول المصابين على العلاج المتخصص.
صرخات لا يفهم أحد أسبابها
عمّ الرضيع محمد، محمود الخطيب، يقول إن الطفل لا يتوقف عن البكاء منذ إصابته، وسط عجز العائلة عن معرفة ما الذي يسبب له هذا الألم المستمر.
ويضيف أن الجدة التي تتولى رعايته بعد استشهاد والدته تحاول تهدئته دون جدوى، متسائلاً إن كان يبكي من شدة الجراح التي تغطي جسده، أم من ألم الطرف المبتور، أم من الجوع، أم لأنه فقد دفء والدته التي كانت آخر من احتضنه قبل استشهادها.
ويصف أفراد العائلة حالتهم بالعاجزين أمام مشهد طفل يستقبل الحياة بفقدان والدته وإصابات قد تلازمه طوال عمره.
دعوات لإنقاذ ما تبقى من جسده
ويؤكد أقارب الطفل أن وضعه الصحي يتطلب تدخلاً عاجلاً لنقله إلى الخارج واستكمال علاجه في مراكز طبية متخصصة، خاصة مع تدهور وضع يده واحتمال تعرضها للبتر في أي لحظة.
ويحذرون من أن استمرار الحصار الطبي ومنع آلاف الجرحى من السفر لتلقي العلاج قد يحرم محمد من فرصة إنقاذ ما تبقى من أطرافه، لينضم إلى قائمة طويلة من الأطفال الذين فقدوا أجزاء من أجسادهم خلال الحرب.
جرح مفتوح في وجه العالم
ولا تبدو مأساة محمد حالة فردية في قطاع غزة، بل صورة مكثفة لمعاناة آلاف الأطفال الذين فقدوا أطرافهم أو ذويهم أو كليهما معاً.
وبينما تتواصل الحرب وتتزايد أعداد الضحايا، يبقى مصير هؤلاء الأطفال معلقاً بين نقص العلاج واستمرار القصف، في مشهد إنساني يطرح أسئلة ثقيلة حول مستقبل جيل كامل نشأ وسط الركام والفقدان والألم.