لم يعد مشهد النزوح في قطاع غزة مرتبطاً فقط بالبحث عن مكان أكثر أمناً، بل أصبح بالنسبة لآلاف العائلات رحلة هروب تنتهي غالباً بفقدان المنازل بشكل كامل.
فمع كل أمر إخلاء جديد، يغادر السكان بيوتهم على أمل العودة إليها بعد تنفيذ التهديد الصهيوني، لكنهم كثيراً ما يصطدمون بحقيقة أكثر قسوة؛ منازلهم لم تعد موجودة، وأحياؤهم تحولت إلى مساحات من الركام.
إخلاء تحت وطأة التهديد
خلال الفترة الأخيرة، تكررت مشاهد الإخلاء في مناطق واسعة من قطاع غزة، من مدينة غزة شمالاً إلى مخيم النصيرات وسط القطاع وخانيونس جنوباً.
وبينما تحمل العائلات ما تستطيع حمله من مقتنيات بسيطة وتغادر تحت ضغط التحذيرات، تبقى المنازل خلفها بانتظار الغارات التي تمحوها من الوجود.
وفي منطقة المواصي غرب مدينة خانيونس، تجلت هذه الصورة بوضوح بعد قصف الاحتلال منزلا لعائلة زعرب وسط منطقة مكتظة بخيام النازحين.
القصف العنيف لم يقتصر على المنزل المستهدف، بل امتدت آثاره إلى عشرات الخيام المحيطة، مخلفاً دماراً واسعاً بين عائلات لجأت إلى المكان بعدما فقدت منازلها في مناطق أخرى.
دقائق بين التحذير والقصف
آلاء زعرب، إحدى المتضررات من القصف، قالت إن السكان كانوا يعيشون يومهم بشكل اعتيادي داخل الخيام قبل أن تنتشر التحذيرات من استهداف المنزل.
وأضافت أن دقائق قليلة فقط فصلت بين التحذير والانفجار الذي هز المنطقة بأكملها، مشيرة إلى أن عشرات الأسر وجدت نفسها مرة أخرى أمام مشهد الدمار والخسارة.
وقالت: "هربنا إلى هنا بعدما فقدنا بيوتنا، وقيل لنا إن المكان آمن، لكننا استيقظنا مجدداً على القصف. الخيام تضررت، وممتلكات الناس ضاعت، والكثير من العائلات لا تملك أي بديل”.
وقصفت طائرات الاحتلال المنزل مساء السبت الماضي ما تسبب بتدميره وإلحاق دمار ب 80 خيمة تؤوي عشرات النازحين.
وبين الركام المتناثر، كان الطفل حسين زعرب يحاول البحث عن بعض مقتنياته الشخصية التي دفنت تحت الأنقاض. لم يكن المشهد بالنسبة له مجرد خسارة مادية، بل امتداداً لحياة كاملة يعيشها أطفال غزة وسط النزوح والقصف والخوف.
وبينما كان يقلب الحجارة بحثاً عن شيء نجا من الدمار، وجه رسالة إلى العالم مطالباً بوقف الحرب وإنقاذ الأطفال الذين فقدوا منازلهم ومدارسهم وشعورهم بالأمان.
ويؤكد النازح أبو صهيب صبح، أن آثار القصف تجاوزت المنزل المستهدف ووصلت إلى عشرات الخيام المجاورة، موضحاً أن غالبية المتضررين هم من العائلات التي نزحت مرات عديدة خلال حرب الإبادة.
وقال إن الخيام لا توفر أي حماية للسكان، وإن كل موجة قصف جديدة تدفع المزيد من الأسر نحو التشرد وفقدان ما تبقى من ممتلكاتها.
فصول من التشريد
وفي مدينة غزة، تتكرر الحكاية ذاتها مع أوامر الإخلاء التي طالت أحياء ومربعات سكنية واسعة خلال الفترة الأخيرة. محمد مقداد، أحد السكان الذين اضطروا لمغادرة منطقتهم، يقول إن العائلات خرجت من منازلهالبا للنجاة، لكنها عادت لتجد منازلها وما تبقى من ممتلكات وقد تعرضت للتدمير، لتبدأ فصول اخرى من التشريد.
وأضاف أن حجم الأضرار كان مهولاً، إذ لم تقتصر عمليات القصف على مبانٍ محددة، بل طالت مناطق واسعة، ما أدى إلى تدمير عدد كبير من المنازل وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والمرافق المحيطة.
وأوضح أن كثيراً من السكان لم يعودوا يملكون شيئاً بعد فقدان منازلهم للمرة الأولى أو الثانية خلال الحرب.
ويشير سكان ونازحون إلى أن الإخلاء لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد إجراء مؤقت لإبعاد المدنيين عن مناطق الخطر، بل بات بالنسبة لكثيرين مقدمة لتدمير الأحياء من الجو. فبعد مغادرة السكان لمنازلهم، تتعرض مناطق واسعة لغارات جوية أو عمليات نسف تؤدي إلى اختفاء مبانٍ كاملة من المشهد.
وفي مخيمات النصيرات والبريج والمغازي ومدينة دير البلح وسط القطاع، تكررت عمليات الإخلاء التي أعقبها قصف للمنازل والمربعات السكنية، ما تسبب بموجات نزوح جديدة لعائلات كانت قد هجرت من مناطق أخرى سابقاً.
ومع كل عملية تدمير جديدة، تتقلص فرص العودة، ويتحول النزوح المؤقت إلى واقع دائم يفرض نفسه على آلاف الأسر.
ومع استمرار الحرب، تتجاوز آثار هذه السياسة حدود الخسائر المادية، إذ تترك وراءها أزمة إنسانية متفاقمة تتمثل في اتساع دائرة التشرد وازدياد أعداد العائلات التي فقدت منازلها بشكل كامل. فكل منزل يُدمر لا يعني فقط فقدان مأوى، بل يعني أيضاً ضياع ذكريات وحياة كاملة كانت تدور بين جدرانه.
وبين أوامر الإخلاء وأصوات الغارات، يعيش سكان غزة واقعاً قاسياً تتكرر فيه المأساة بصورة شبه يومية. يخرجون من بيوتهم أملاً بالنجاة، ثم يعودون ليجدوا أن المكان الذي احتضن حياتهم لم يعد موجوداً. وهكذا تتحول رحلة البحث عن الأمان إلى رحلة فقدان مستمرة، فيما تتسع رقعة الدمار ويكبر عدد المشردين يوماً بعد يوم، دون أفق واضح لنهاية هذه المعاناة.