سلّط تقرير نشره موقع "زمان يسرائيل" الصهيوني للصحفية نوريت يوحنان الضوء على مشروع الميليشيات المسلحة التي شكلها الاحتلال في قطاع غزة، كاشفًا عن تصاعد الانتقادات داخل الأوساط الصهيونية لهذا التوجه الذي طُرح باعتباره محاولة لإيجاد بديل محلي لحركة حماس.

وبحسب التقرير، فإن النتائج الميدانية للمشروع ما تزال محدودة، فيما تتزايد المخاوف من تداعياته الأمنية والسياسية مستقبلاً.

دعم عسكري واستخباري متواصل

وأوضح التقرير أن الاحتلال قدم خلال الفترة الماضية دعماً متنوعاً لعدد من العصابات المسلحة في غزة، شمل أسلحة ومعلومات استخبارية وإسناداً لوجستياً، إلى جانب نقل عناصر مصابين من هذه العصابات لتلقي العلاج داخل إسرائيل.

وأشار التقرير إلى أن إحدى هذه العصابات، التي تطلق على نفسها اسم "جيش الشعب"، نشرت مؤخراً تسجيلاً مصوراً أظهر استخدام طائرات مسيرة، في مؤشر على حصولها على وسائل قتالية أكثر تطوراً من السابق.

تساؤلات حول جدوى المشروع

وبرغم مرور عام على اعتراف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بتسليح عصابات داخل قطاع غزة، فإن طبيعة المشروع وأهدافه النهائية ما تزال غير واضحة، وفق ما أوردته نوريت يوحنان.

ونقل التقرير عن الباحث الصهيوني ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان بجامعة تل أبيب، قوله إن "غزة تحولت إلى عاصمة الأوهام الإسرائيلية"، معتبراً أن مشروع الميليشيات يندرج ضمن هذه الأوهام التي لم تحقق نتائج ملموسة على الأرض.

نفوذ محدود أمام استمرار سيطرة حماس

وبحسب التقرير، فإن أعداد عناصر هذه العصابات لا تتجاوز بضع مئات، فيما تواصل حركة حماس الاحتفاظ بنفوذها في معظم المناطق المأهولة بالسكان داخل القطاع.

وأشار إلى أن نشاط هذه العصابات يتركز في مناطق محدودة، ويشمل اشتباكات متفرقة مع حماس، إضافة إلى محاولات كسب التأييد الشعبي عبر توزيع مساعدات ومواد غذائية في بعض المناطق.

رفض شعبي وفصائلي

ونقل التقرير أن "هذه العصابات لن تساعد إسرائيل في بناء الثقة مع السكان"، مؤكداً أن مختلف الفصائل الفلسطينية، بما فيها فتح وحماس، تنظر إليها باعتبارها ظاهرة مرفوضة.

كما استعرض التقرير تصريحات حسام الأسطل، أحد قادة المليشيات العميلة جنوب خان يونس، الذي ادعى أن سكان غزة باتوا مرهقين من الحرب ويرغبون فقط في العيش، إلا أن شهادات نقلها التقرير أظهرت وجود عداء شعبي واسع تجاه هذه العصابات.

مخاوف صهيونية من ارتداد السلاح

وحذر ميخائيل ميلشتاين من "أن الأسلحة والمسيّرات التي تحصل عليها هذه المجموعات قد تتحول مستقبلاً إلى تهديد لإسرائيل نفسها، سواء من خلال انتقالها إلى جهات أخرى أو وقوعها في أيدي حماس".

وأكد أن التجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن دعم مجموعات مسلحة محلية قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد.

شخصيات مثيرة للجدل

وأشار التقرير إلى أن قادة هذه المجموعات لم يكونوا من الشخصيات المؤثرة تقليدياً داخل المجتمع الفلسطيني، لافتاً إلى أن ياسر أبو شباب، الذي قاد إحدى أكبر هذه المجموعات قبل مقتله عام 2025، وُجهت إليه سابقاً اتهامات تتعلق بالتهريب والنهب.

ونقل التقرير عن ميلشتاين قوله إن "إسرائيل اختارت التعامل مع شخصيات مثيرة للجدل وذات سوابق مختلفة على أمل تحويلها إلى بديل لحماس"، وهو ما اعتبره خياراً إشكالياً منذ البداية.

غياب المراجعة والتقييم

وفي ختام التقرير، وجّه ميخائيل ميلشتاين انتقادات حادة لأجهزة أمن الاحتلال، معتبراً أن المشروع يُدار دون مراجعة حقيقية أو تقييم جدي للنتائج، مشيراً إلى أن غياب الرقابة والمحاسبة أدى إلى استمرار الأخطاء وتكرارها.

ويرى التقرير أن مشروع الميليشيات المدعومة من الاحتلال لم ينجح حتى الآن في تحقيق الهدف المعلن المتمثل بإيجاد بديل محلي قادر على منافسة حماس أو فرض واقع جديد داخل قطاع غزة، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة داخل إسرائيل بشأن مستقبل هذا المسار وجدواه.

وفي قراءة لما ورد في تقرير موقع "زمان يسرائيل"، قال الكاتب والمختص في الشأن الأمني رامي أبو زبيدة إن ما تحدث عنه الإعلام الصهيوني خلال الفترة الماضية بشأن الميليشيات المسلحة في قطاع غزة جاء في إطار تسويق فكرة "البديل المحلي" لحركة حماس، انطلاقًا من رؤية صهيونية تقوم على أن الحرب لا تنتهي فقط بإضعاف البنية العسكرية للمقاومة، بل بإنتاج واقع سياسي وأمني جديد تديره قوى محلية مرتبطة بالاحتلال ومتعاونة معه.

وأضاف أبو زبيدة في تصريح له أن اللافت اليوم هو "أن إعلام الاحتلال نفسه بدأ يتحدث عن فشل هذا المشروع، بل ويصف ما جرى بأنه "فشل ذريع"، وهو ما يعكس تحولًا مهمًا في تقييم المشهد داخل قطاع غزة، ويكشف حجم الفجوة بين الأهداف التي سعت إسرائيل إلى تحقيقها والنتائج التي تحققت على أرض الواقع".

وأوضح أن مشروع الميليشيات قام على مجموعات تلقت دعمًا مباشرًا من الاحتلال بمختلف أشكاله، سواء عبر التسليح أو الإسناد اللوجستي والأمني، وكان يُعوّل عليها لمواجهة المقاومة وخلق نموذج بديل يساعد الاحتلال في إدارة بعض المناطق داخل القطاع. إلا أن التقارير الصهيونية الصادرة بعد أكثر من عام ونصف على بدء هذا المشروع تكشف أن النتائج جاءت معاكسة تمامًا لما كان مأمولًا.

وأشار إلى أن أبرز مؤشرات الفشل تتمثل في غياب الشرعية الشعبية لهذه المجموعات، لافتًا إلى أن تقارير الاحتلال نفسها نقلت عن سكان قطاع غزة أن تلك التشكيلات لا تمتلك أي شرعية وطنية أو مجتمعية، وأن مختلف القوى الفلسطينية تنظر إليها باعتبارها مجموعات مرتبطة بالاحتلال وتعمل في خدمته.

وأكد أبو زبيدة أن الاحتلال أخفق في تحقيق العنصر الأهم لنجاح أي مشروع سياسي أو أمني، وهو القبول الشعبي، موضحًا أن التجارب التاريخية أثبتت أن أي سلطة لا تستند إلى حاضنة مجتمعية حقيقية تتحول إلى جسم هش يعتمد في بقائه على القوة الخارجية والحماية العسكرية.

وأضاف أن الدليل الآخر على فشل المشروع يتمثل في البعد الجغرافي، إذ تشير المعطيات الواردة في التقرير العبري إلى أن الغالبية الساحقة من سكان قطاع غزة ما زالوا يعيشون في مناطق نفوذ حركة حماس، بينما بقي الحديث عن مناطق بديلة أو سلطات موازية مجرد أفكار لم تتحول إلى واقع فعلي على الأرض.

ولفت إلى أن الإعلام الصهيوني نفسه أقر بأن الشخصيات التي جرى الاعتماد عليها لقيادة هذه المجموعات، ومن بينها غسان الدهيني وأشرف المنسي، لا تمتلك تاريخًا وطنيًا أو حضورًا مؤثرًا داخل المجتمع الفلسطيني، بل إن بعضها يواجه تشكيكًا واسعًا في شرعيته ومكانته المجتمعية.

وأشار إلى أن وصف الباحث الصهيوني ميخائيل ميلشتاين لهذه التجربة بأنها محاولة لصناعة بديل من "الطبقة الدنيا" في المجتمع الفلسطيني يمثل اعترافًا صهيونيا واضحًا بفشل الرهان على هذه الشخصيات في تشكيل بديل حقيقي قادر على منافسة القوى الفلسطينية الفاعلة.

وختم أبو زبيدة بالقول إن المخاوف الصهيونية المتزايدة من هذه المجموعات تكشف جانبًا آخر من الأزمة، فبعد أن زودها الاحتلال بالسلاح والدعم، بدأت أصوات صهيونية تحذر من إمكانية انقلابها على مشغليها أو انتقال الأسلحة التي تمتلكها إلى جهات أخرى.

وأضاف أن "هذه التحذيرات تعكس إدراكًا متزايدًا داخل إسرائيل بأن هذه المجموعات لا تمثل حلفاء استراتيجيين بقدر ما تمثل مجموعات مرتبطة بالمصلحة والارتزاق"، وهو ما يجعل المشروع برمته أقرب إلى الفشل منه إلى النجاح.