بين صورتين تفصل بينهما عامان وثمانية أشهر فقط، تختصر حكاية الأسير المحرر والصحفي عبد الله شتات جانباً من معاناة الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال.
ففي الصورة الأولى يظهر شاباً مفعماً بالحيوية والأمل، يدافع بصوته وقلمه عن قضايا الأسرى، بينما تكشف الصورة الثانية جسداً نحيلاً وملامح منهكة أنهكها الاعتقال الطويل، حتى انتهت لحظة الحرية بسقوطه مغشياً عليه فور الإفراج عنه.
جسد منهك
ولم تكن لحظات خروج شتات، ابن بلدة بديا غرب سلفيت، شبيهة بمشاهد الحرية المعتادة، إذ لم يتمكن جسده المنهك من تحمل فرحة التحرر بعد سنوات من المعاناة، لينتقل مباشرة من بوابة السجن إلى مستشفى دورا لتلقي العلاج والرعاية الطبية.
وقال شتات إن فترة اعتقاله التي بدأت في أكتوبر 2023 شهدت تدهوراً حاداً في وضعه الصحي، مؤكداً أنه فقد نحو 50 كيلوغراماً من وزنه نتيجة سوء التغذية والظروف القاسية داخل المعتقل.
وأوضح في تصريح صحفي أن الأسرى يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة للغاية، مشيراً إلى أن الغرف باتت مكتظة بشكل كبير، فيما لا تكفي كميات الطعام المقدمة لهم "حتى العصافير"، على حد وصفه.
وأضاف أن الأسرى يتعرضون بشكل يومي للتعذيب الجسدي والنفسي، وأن آثار ذلك باتت واضحة على أجسادهم وصحتهم، موضحاً أن كثيراً منهم يعانون من ضعف شديد وانخفاض في حرارة أجسادهم نتيجة الجوع وسوء الظروف المعيشية.
وفي وصف مؤثر للواقع النفسي داخل السجون، قال شتات إن الأسرى يغطون رءوسهم أثناء الصلاة حتى لا يرى أحد دموعهم، في مشهد يلخص حجم الألم والقهر الذي يعيشونه خلف القضبان.
وأشار إلى أن الأسرى يضطرون للتغطية بالبطانيات حتى في أوقات الحر الشديد بسبب شعورهم الدائم بالبرد، مؤكداً أن أجسادهم فقدت القدرة على مقاومة الظروف القاسية نتيجة الاستنزاف المستمر.
أوضاع الأسرى الصحية
ويتوقف شتات عند الأوضاع الصحية للأسرى، مشيرا إلى انتشار مرض الجرب (السكابيوس) داخل سجون الاحتلال.
ويقول بهذا الصدد إن مرض السكابيوس أصاب معظم الأسرى، وإنهم يمكثون أياما وشهورا دون الحصول على علاج، مبينا أن ذلك يزيد من معاناتهم ويضاعف الأخطار الصحية التي يواجهونها.
ثلاث رسائل
وفي تصريحات صحفية وجه شتات ثلاث رسائل، الأولى إلى عائلات الأسرى، قائلا: "لا تنسوا أبناءكم، افتقدوهم بالدعاء، هذا أقل القليل، فهم يتناوبون على الدعاء لكم ويحفظون أسماءكم جيدا، ومصاحفهم لا تغلق وغرفهم لا تنام، فالذكر والدعاء والصيام والقيام متواصلان بلا انقطاع”.
وفي رسالته الثانية، يطالب المؤسسات الحقوقية والقانونية والمجتمع الدولي بالتحرك الجاد لإنقاذ الأسرى، في ظل ما يواجهونه من أوضاع صحية وإنسانية صعبة داخل سجون الاحتلال.
أما رسالته الثالثة، فيوجهها إلى الجهات الرسمية الفلسطينية والمؤسسات المعنية يدعوها فيها إلى تكثيف الجهود لتحسين أوضاع الأسرى ومواصلة المعارك القانونية المتعلقة بحقوقهم وإنقاذ من يعاني داخل السجون.
ويُعرف شتات كصحفي وناشط كرّس سنوات من حياته للدفاع عن قضية الأسرى ونقل معاناتهم إلى الرأي العام، إلا أنه وجد نفسه هذه المرة يعيش التجربة ذاتها بكل تفاصيلها، بعدما تحول من ناقل للخبر إلى شاهد حي على ما يجري داخل السجون.
وتحولت حالته الصحية بعد الإفراج عنه إلى صورة مصغرة عن واقع آلاف الأسرى الفلسطينيين، الذين يواجهون ظروفاً صعبة وسط مطالبات حقوقية متواصلة بضرورة توفير الحماية لهم ووقف الانتهاكات التي يتعرضون لها.
وبرغم خروجه إلى الحرية، حمل عبد الله شتات معه رسالة رفاقه الأسرى إلى العالم، رسالة تختصرها ملامحه المنهكة وجسده الذي أنهكته سنوات الاعتقال، وتدعو إلى إنقاذ من تبقوا خلف القضبان قبل أن تتحول قصصهم إلى صور جديدة تقارن بين ما كانوا عليه قبل الاعتقال وما أصبحوا عليه بعده.