تشهد الضفة الغربية المحتلة تسارعاً غير مسبوق في وتيرة الاستيطان، حيث تحول هذا الملف إلى العنوان الأبرز لسياسات الاحتلال الرامية إلى حسم الصراع على الأرض.

تسير مخططات السيطرة الجغرافية والديموجرافية على الضفة الغربية المحتلة وفق رؤية ممنهجة جرى الإعداد لها مسبقاً، لتنتقل من مجرد توسع موضعي إلى عملية ضم فعلي وإعادة صياغة شاملة للجغرافيا الفلسطينية بما يقوض أي فرصة جغرافية مستقبلية لإقامة دولة متصلة.

شرعنة رسمية وفرض واقع ميداني

تتحرك السياسة الاستيطانية الحالية عبر مسارين متوازيين يتكاملان لإحكام السيطرة على الأرض؛ يتمثل المسار الأول في الجانب الهيكلي والرسمي، من خلال إصدار سلسلة من الأوامر العسكرية والقرارات الحكومية لتوسيع المستوطنات القائمة والمصادقة على مخططات هيكلية جديدة، وتخصيص مساحات شاسعة للمشاريع المستقبلية.

أما المسار الثاني، فيعتمد على إعطاء الضوء الأخضر لمجموعات المستوطنين للتحرك الميداني المباشر، لا سيما في المناطق الريفية والسهلية. ويتجلى ذلك في تسريع وتيرة تهجير التجمعات البدوية والرعوية، وإقامة بؤر استيطانية عشوائية جديدة تمتد على مساحات واسعة لتشكل أحزمة عازلة تمنع المزارعين والرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الحيوية.

الضم الفعلي.. من الإدارة العسكرية إلى السيادة المدنية

لم يعد السلوك الاستيطاني مقتصراً على التمدد المكاني، بل رافقه تحول استراتيجي وقانوني في طريقة إدارة الأراضي في الضفة الغربية.

وتثبت الإجراءات الأخيرة حدوث تغيير جوهري في بنية المؤسسات المسئولة عن هذه الإدارة، حيث نُقلت الصلاحيات الإدارية والقانونية من سلطة الجيش والإدارة المدنية المؤقتة إلى هيئات ومؤسسات مدنية تدار بشكل مباشر من قبل تيار الاستيطان داخل حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة.

هذا التحول الإداري يمثل خطوة متقدمة نحو "الضم الفعلي" الصامت، حيث لم يعد التعامل مع الضفة الغربية يجري بوصفها منطقة خاضعة للاحتلال العسكري المؤقت وفقاً للقانون الدولي، بل يجري التعامل معها باعتبارها جزءاً خاضعاً للسيادة الكاملة، مما يمهد الطريق لشرعنة البؤر الاستيطانية المعزولة وتسهيل تزويدها بالبنية التحتية والخدمات الأساسية دون قيود قانونية.

مصادرة قياسية وتصنيف متسارع لـ "أراضي الدولة

على صعيد الأرقام والمساحات الملتهمة، شهدت السنوات الثلاث الأخيرة مصادرة ما يقارب 70 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية بموجب أوامر عسكرية متنوعة، شملت إعلانات السيطرة تحت مسميات "أراضي الدولة" والمحميات الطبيعية والمناطق العسكرية المغلقة.

وتكمن الخطورة البالغة في تصنيف نحو 27 ألف دونم من هذه الأراضي كـ "أراضي دولة"، وهو رقم قياسي يعادل تقريباً مجمل المساحات التي جرى مصادرتها تحت هذا التصنيف منذ توقيع اتفاقية أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود.

ويتكامل هذا الاستيلاء مع إقامة ما يزيد عن 200 بؤرة استيطانية جديدة، تركزت بشكل رئيسي في الفترة الواقعة بين عامي 2023 ومنتصف عام 2026، بهدف قطع التواصل بين البلدات والقرى الفلسطينية.

اعتداءات ممنهجة وهدم واسع للبنية التحتية

تترافق عمليات التوسع مع تصاعد حاد في الهجمات الميدانية واستهداف الممتلكات الفلسطينية، حيث سُجل إشعال نحو 850 حريقاً استهدفت الأراضي الزراعية والمحاصيل والمنازل السكنية لإجبار السكان على الرحيل.

وفي خطوة تهدف إلى شرعنة هذا الواقع، صادق المجلس الوزاري الصهيوني المصغر في حكومة الاحتلال على إنشاء 103 مستوطنات جديدة، وهو رقم غير مسبوق يعكس قفزة هائلة في تمدد المشروع الاستيطاني.

وفي المقابل، تنفذ آليات التدمير عملية تفريغ ممنهجة للأرض عبر هدم المنشآت الفلسطينية، حيث جرى هدم ما يقارب 4 آلاف منشأة فلسطينية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، شملت بيوتاً سكنية وفللاً ومنشآت زراعية وتجارية وبدوية. وتتكامل هذه الإجراءات مع توزيع أكثر من 3500 إخطار بالهدم، كجزء من أوسع عملية تغيير معالم واقتلاع جغرافي تشهدها المنطقة منذ عقود.

الجغرافيا المفتتة كواقع ديموجرافي بديل

يقوم النظام التوسعي الحالي على خطة واضحة تهدف إلى السيطرة المطلقة على المقدرات الجغرافية والديموجرافية للضفة الغربية، حيث تخضع اليوم نحو 42\% من مجمل مساحتها لسيطرة المجالس الاستيطانية، بما يشمل قرابة 70% من المناطق المصنفة “ج” الغنية بالموارد الطبيعية والمساحات المفتوحة.

وقد تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية عتبة 780 ألف مستوطن، يتوزعون على ما يقارب 542 موقعاً استيطانياً، من بينها 192 مستوطنة رسمية ومعتمدة، و350 بؤرة استيطانية عشوائية ورعوية تتمدد يومياً لحصار التجمعات الفلسطينية وتجريدها من أراضيها المحيطة ومجالها الحيوي الطبيعي.

وتسعى هذه السياسات المتكاملة، في نهاية المطاف، إلى فرض وقائع جغرافية وقانونية يستحيل التراجع عنها مستقبلاً، بحيث يجري استبدال وحدة الأراضي الفلسطينية بكانتونات معزولة ومحاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية، مما يحسم معركة السيطرة على الأرض والموارد بشكل دائم لصالح المشروع الاستيطاني التوسعي.