أثارت تصريحات مفتي عام ليبيا، الشيخ الدكتور الصادق الغرياني، بشأن مبادرة مستشار الرئيس الأمريكي للشئون العربية مسعد بولس لحل الأزمة السياسية في البلاد، جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، بعد أن قدّم قراءة شديدة اللهجة للمبادرة وربطها بسياقات إقليمية ودولية، معتبرًا أنها لا تنفصل ـ بحسب تعبيره ـ عن ترتيبات تهدف إلى إعادة إنتاج المشهد الليبي ضمن حالة من الانقسام المستمر.
وقال الغرياني، في برنامج "الإسلام والحياة" مطلع يوليو 2026، إن ما وصفها بـ "صفقة بولس" تمثل "تسليمًا لليبيا إلى عميل جديد لمدة أربعين عامًا أخرى"، على حد قوله، مضيفًا أن هذه الصيغة تأتي بعد مرحلة سابقة ارتبطت بحكم معمر القذافي، الذي اعتبره جزءًا من منظومة وظيفية ضمن توازنات دولية، ساهمت ـ وفق رؤيته ـ في إبقاء ليبيا دولة ضعيفة ومؤسساتها هشة.
وفي تصعيد لافت في خطابه، أضاف المفتي أن هذه المبادرة "جزء من أمن إسرائيل لضمان استمرار الفوضى لمدة 40 سنة أخرى"، معتبرًا أن "صفقة بولس هي ارتهان لمصير ليبيا لعقود جديدة"، في إشارة إلى ما يراه امتدادًا لتدخلات خارجية تهدف إلى منع استقرار الدولة الليبية وإبقائها في حالة هشاشة سياسية وأمنية.
ويرى الشيخ الغرياني أن الحالة الليبية الممتدة منذ عام 2011 لم تخرج ـ بحسب توصيفه ـ عن دائرة إعادة إنتاج الفوضى، حيث تعاقبت الحكومات والسلطات المتوازية دون الوصول إلى مؤسسات موحدة قادرة على فرض الاستقرار أو صياغة عقد سياسي دائم.
كما اعتبر أن ما يجري في ليبيا هو امتداد لمسار طويل من التدخلات الخارجية التي أدت، وفق تصوره، إلى تفكيك مؤسسات الدولة، وإبقاء البلاد في حالة انقسام سياسي وأمني، ما يفتح الباب أمام مبادرات دولية تُطرح باعتبارها حلولًا، لكنها ـ كما يقول ـ تعيد إنتاج الأزمة بدل إنهائها.
مبادرات التسوية تحت المجهر
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتكثف فيه التحركات الدولية والإقليمية لإحياء المسار السياسي في ليبيا، عبر مبادرات متعددة تهدف إلى إنهاء الانقسام بين الشرق والغرب، والتوصل إلى قاعدة دستورية تفضي إلى انتخابات شاملة.
إلا أن هذه المبادرات تواجه باستمرار انتقادات من أطراف سياسية ودينية داخل ليبيا، ترى أن بعضها يعكس تأثيرات خارجية مباشرة أو غير مباشرة، في حين تؤكد أطراف أخرى أن الحل السياسي لا يمكن أن يتم إلا عبر توافق ليبي–ليبي بعيدًا عن الاتهامات المتبادلة.
وتجعل تعقيدات المشهد الليبي من الصعب فصل الداخل عن الخارج، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية، وتعدد الأطراف المؤثرة في مسار الأزمة، ما ينعكس على طبيعة المبادرات المطروحة ومدى قبولها أو رفضها داخل الساحة الليبية.
وبينما تواصل الأمم المتحدة وبعض الأطراف الدولية الدفع باتجاه تسوية سياسية شاملة، يبقى المشهد الليبي مفتوحًا على مزيد من التعقيد، في ظل تباين حاد في الرؤى حول مستقبل الدولة، وشكل نظامها السياسي، وحدود الدور الخارجي في صياغة الحل النهائي للأزمة.
وتُعدّ مبادرة مستشار الرئيس الأمريكي للشئون العربية مسعد بولس إحدى المقاربات المطروحة في إطار الجهود السياسية الرامية إلى معالجة حالة الانقسام المؤسسي والصراع على السلطة في ليبيا، عبر الدفع نحو تسوية سياسية شاملة تعيد توحيد المؤسسات وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة تفضي إلى انتخابات عامة.
وتقوم المبادرة ـ بحسب ما يُتداول حولها في الأوساط السياسية ـ بلورة تفاهمات بين مختلف الأطراف الليبية، في سياق تحركات إقليمية ودولية متجددة لإحياء المسار السياسي المتعثر منذ سنوات، رغم الجدل الواسع الذي يرافقها بشأن خلفياتها ومدى استقلاليتها وحدود ارتباطها بالفاعلين الخارجيين.