لم يكن المشهد في قرية زبوبا، غربي جنين، مجرد عملية تجريف لأراضٍ زراعية، بل بدا وكأنه اقتلاع لذاكرة عمرها عشرات السنين.
خلال ثلاثة أيام متواصلة، واصل الاحتلال الصهيوني إزالة مئات أشجار الزيتون المعمرة، وتحويل مساحات واسعة من الأراضي التي اعتمدت عليها عشرات العائلات في معيشتها إلى أرض قاحلة، في خطوة يراها الأهالي جزءًا من سياسة تستهدف الإنسان والأرض معًا.
من الإغلاقات إلى استهداف الأرض
لم تبدأ معاناة زبوبا مع الجرافات. فمنذ نحو ثمانية أشهر، تعيش القرية تحت سلسلة متواصلة من إجراءات الاحتلال، شملت اقتحامات واعتقالات وإغلاقات متكررة لمداخلها، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر خطورة تمثلت باستهداف الأراضي الزراعية.
ويقول رئيس مجلس قروي زبوبا زكي جرادات إن الاحتلال كان يغلق مداخل القرية بصورة دورية بذريعة "الدواعي الأمنية"، ما تسبب في عزلها عن محيطها وإعاقة حركة السكان، ثم توسعت الإجراءات لتشمل إصدار إخطارات متتالية لإزالة أشجار الزيتون.
ويضيف أن الإخطارات بدأت بمساحات محدودة، قبل أن تتوسع تدريجيًا لتشمل 126 دونمًا في ثلاثة مواقع، إلا أن ما جرى على الأرض تجاوز حتى تلك الإخطارات، إذ انتهت عمليات التجريف الأخيرة بتدمير أكثر من 120 دونمًا واقتلاع نحو 1200 شجرة زيتون، وفق وفا.
ويحذر جرادات من أن المخطط قد يمتد ليطال نحو 500 دونم إضافية، ما يعني القضاء على الجزء الأكبر من الأراضي الزراعية في القرية.
مصدر رزق أخير
ازدادت أهمية هذه الأراضي بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة عام 2023، إذ فقد كثير من أبناء زبوبا أعمالهم داخل أراضي عام 1948، فاتجهوا إلى الزراعة باعتبارها المصدر الوحيد لإعالة أسرهم.
لكن هذا المورد، بحسب الأهالي، أصبح اليوم هو الآخر مستهدفًا، في وقت تتقلص فيه مساحة القرية بصورة متسارعة، بعدما كانت تمتد على نحو 48 ألف دونم قبل عام 1948، ولم يتبق منها سوى قرابة 1200 دونم.
اقتلعوا أمي قبل أن يقتلعوا الشجر
ولا يتحدث المزارعون عن خسائر مادية فحسب، بل عن ذكريات اقتُلعت مع الأشجار.
يقول المزارع منير جرادات إن الأشجار التي دمرها الاحتلال تجاوز عمر بعضها ستين عامًا، وكانت والدته قد غرستها وسقتها بنفسها وهي تحمل المياه لمسافات طويلة حتى كبرت وأثمرت.
ويضيف بصوت تغلب عليه الحسرة: “هذه الأشجار ليست مجرد زيتون، إنها عمر أمي وذكريات طفولتنا. لو كانت على قيد الحياة لما احتملت رؤية الجرافات وهي تقتلعها”.
خسائر بمئات الآلاف
أما المزارع سامر مقالدة، فيؤكد أن الاحتلال لم يكتف باقتلاع الأشجار، بل دمّر أيضًا بيتًا بلاستيكيًا وثلاثة آبار مياه وبركة زراعية، وأخطر بإزالة مزرعة أخرى تبلغ مساحتها 15 دونمًا.
ويشير إلى أنه اضطر إلى إزالة أحد البيوت البلاستيكية بنفسه بعد تلقي الإخطار، ما أدى إلى تلف محصول الكوسا وخسارة تجاوزت 30 ألف شيكل، بينما تجاوزت خسائره الإجمالية 300 ألف شيكل.
ويؤكد أن خمس عائلات من إخوته كانت تعتمد بالكامل على هذه الأراضي بعد فقدان مصدر دخلها داخل أراضي عام 1948، إلا أن الاحتلال استهدف آخر مورد رزق لها.
عزل متواصل
ولا تقتصر الإجراءات على تجريف الأراضي، إذ لا تزال معظم مداخل القرية مغلقة، فيما عزل الاحتلال منطقة الوعر التي تضم 16 منزلًا عبر إغلاق الطريق المؤدي إليها بالسواتر الترابية، ما اضطر السكان إلى السير عبر طرق وعرة للوصول إلى منازلهم أو الخدمات الأساسية.
ويرى الخبير في شئون الاستيطان عبد الهادي حنتش أن ما يجري في زبوبا لا يمكن فصله عن سياسة صهيونية متواصلة تستهدف المناطق المحاذية لجدار الفصل والتوسع العنصري.
ويقول في تصريح صحفي إن الاحتلال يستخدم ذرائع أمنية لتجريف الأراضي وإزالة الأشجار، بينما يتمثل الهدف الحقيقي في خلق مناطق عازلة وتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، تمهيدًا لضمها أو منع أصحابها من الوصول إليها مستقبلاً.
ويضيف أن اقتلاع أشجار الزيتون يحمل أبعادًا تتجاوز الخسارة الاقتصادية، لأن الزيتون يمثل عنوانًا للوجود الفلسطيني ووسيلة لإثبات الملكية القانونية للأرض، ولذلك فإن استهدافه يندرج ضمن محاولات تغيير الواقع الجغرافي والديموجرافي في المنطقة.
ويؤكد حنتش أن استمرار هذه الإجراءات سيؤدي إلى تقليص الرقعة الزراعية بشكل كبير، وحرمان عشرات العائلات من مصدر دخلها الوحيد، إلى جانب تكريس العزل الذي تفرضه سلطات الاحتلال على القرى الفلسطينية المحاذية للجدار.
في زبوبا، لا تبدو أشجار الزيتون مجرد محصول موسمي أو مصدر دخل، بل جزءًا من تاريخ العائلات التي توارثتها جيلاً بعد جيل. ومع كل شجرة تقتلعها الجرافات، يشعر الأهالي أن قطعة جديدة من ذاكرتهم تُنتزع، في قرية تتراجع حدودها عامًا بعد آخر، بينما يزداد الخوف من أن تمتد الجرافات إلى ما تبقى من أرضها.