تجلس المواطنة سعاد فارس السيد داخل خيمة نزوحها غرب مدينة غزة، تراقب أطفالها وهم يتناوبون على جالون ماء بالكاد يكفي ليوم واحد، بعد رحلة انتظار طويلة بين مئات النازحين حول صهريج لا يصل بانتظام.
فقدت المواطنة سعادة زوجها خلال محاولة تأمين الغذاء، وتجد نفسها اليوم أمام معركة يومية أكثر قسوة تتعلق بالحصول على الماء. تقول إن أطفالها أصيبوا بأمراض جلدية بسبب غياب الاستحمام لأيام متواصلة، ويؤكد الأطباء أن السبب المباشر يعود إلى انعدام القدرة على الحفاظ على النظافة الشخصية نتيحة تداعيات الحصار والإبادة الجماعية الإسرائيلية.
تعكس هذه الشهادة جانباً من واقع يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، حيث تتفاقم أزمة المياه بشكل غير مسبوق نتيجة القيود المفروضة على إدخال الوقود والمعدات ومواد الصيانة، إلى جانب الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية منذ بدء الهجوم العسكري في السابع من أكتوبر 2023.
وقد أدى ذلك إلى انهيار شبه كامل في قدرة المؤسسات المحلية على إنتاج المياه ونقلها وتوزيعها، وتحول الحصول على المياه إلى عبء يومي شاق يثقل كاهل السكان، خاصة في مناطق النزوح المكتظة، وفق بيان صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
85 % من السكان محرمون من المياه النظيفة
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن نحو 85 في المائة من سكان القطاع محرومون من الوصول المنتظم إلى المياه النظيفة، ما يدفع غالبية الأسر إلى الاعتماد على مصادر بديلة غير مأمونة ومرتفعة التكلفة، مثل صهاريج المياه الخاصة أو الآبار التجارية غير الخاضعة للرقابة.
ويأتي ذلك في ظل تدهور اقتصادي حاد، يزيد من صعوبة تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
على المستوى الهيكلي، تراجع إنتاج المياه في قطاع غزة إلى نحو 150 ألف متر مكعب يومياً، مقارنة بنحو 300 ألف متر مكعب قبل الحرب، ما يعني فقدان نصف القدرة الإنتاجية، وفقاً لبيانات سلطة المياه وجودة البيئة.
ويعتمد الإنتاج الحالي على مصادر محدودة تشمل الآبار الجوفية المتبقية وخطوط شركة ميكروت الصهيونية ومحطات تحلية تعمل بشكل جزئي.
كما انخفضت نسبة السكان الذين يحصلون على المياه عبر الشبكات العامة إلى أقل من 50 في المائة، بعد أن كانت تتجاوز 95 في المائة، بالتزامن مع ارتفاع نسبة الفاقد في الشبكات إلى نحو 65 في المئة نتيجة الدمار وصعوبة الصيانة.
وتظهر الأزمة بشكل أكثر حدة في حصة الفرد اليومية، التي تراجعت إلى نحو 25 لتراً، وتنخفض في بعض مناطق النزوح إلى أقل من 5 لترات يومياً، وهو مستوى يقل بكثير عن الحد الأدنى الإنساني المعتمد في حالات الطوارئ والبالغ 15 لتراً، وعن معايير منظمة الصحة العالمية التي توصي بنحو 100 لتر يومياً للفرد.
عجز 70 %
في مدينة غزة، يوضح الناطق باسم البلدية حسني مهنا أن الكميات المتوفرة حالياً لا تتجاوز 30 ألف متر مكعب يومياً، في حين أن الاحتياج الفعلي يصل إلى 100 ألف متر مكعب خلال فصل الصيف، أي أن العجز يتجاوز 70 في المائة.
ويعزو هذا النقص الحاد إلى تدمير مرافق المياه، بما في ذلك محطة التحلية في منطقة السودانية، وتدمير غالبية الآبار المركزية، إضافة إلى تجريف مئات آلاف الأمتار من شبكات التوزيع. ويحذر من خطر توقف ما تبقى من المرافق في أي لحظة بسبب نقص الوقود وقطع الغيار والمواد الأساسية للتشغيل.
نتائج خطيرة
ولا تقتصر آثار الأزمة على نقص المياه للشرب، بل تمتد إلى تعطيل إعداد الغذاء وتشغيل المرافق الصحية وتعقيم الأدوات الطبية، ما يجعلها عاملاً رئيسياً في تفاقم المجاعة وانتشار الأمراض. ويؤكد سكان أن تفاصيل الحياة اليومية باتت خاضعة للتقنين الصارم، من الشرب والطهي إلى الاستحمام وغسل الملابس، في ظل تكاليف مرتفعة للحصول على المياه من مصادر خاصة.
في هذا السياق، يروي ناهض محمد الكومي، وهو نازح عاد إلى منزله المتضرر في حي الشيخ عجلين، أن المياه لا تصل إلى الحي نتيجة تدمير الشبكات، ما يضطره إلى شراء المياه ونقلها بصهاريج ثم رفعها يدوياً إلى سطح المنزل، بتكاليف لا يمكن تحملها على المدى الطويل. ويشير إلى أن نقص المياه أدى إلى انتشار الأمراض الجلدية والحشرات بين الأطفال، مع استمرار العجز عن توفير الحد الأدنى من النظافة.
وتكشف البيانات أن منظومة المياه في قطاع غزة تعرضت لتدمير واسع طال 89 في المائة من مكوناتها، بما في ذلك شبكات التوزيع ومحطات التحلية والآبار والخزانات، ما أدى إلى انعدام الأمن المائي لأكثر من 91 في المائة من السكان. كما اضطر نحو 65 في المائة من السكان إلى الاكتفاء بأقل من 6 لترات يومياً للفرد في بداية الحرب، وهو مستوى لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات البقاء.
في البعد القانوني، يؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن تدمير مرافق المياه ومنع إعادة تأهيلها يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، الذي يوفر حماية خاصة للأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين. وتحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها استهداف أو تعطيل منشآت المياه، كما تلزم قوة الاحتلال بضمان توفير الاحتياجات الأساسية للسكان، بما في ذلك المياه والصحة العامة.
ويشير خبراء إلى أن استخدام الحرمان من المياه كوسيلة ضغط أو كجزء من العمليات العسكرية قد يرقى إلى جريمة حرب، خاصة عندما يؤدي إلى تعريض السكان المدنيين لمخاطر جسيمة تهدد حياتهم وصحتهم.
تعكس الشهادات الميدانية والمعطيات الإحصائية واقعاً إنسانياً متدهوراً، حيث لم تعد أزمة المياه في غزة مسألة نقص طارئ، بل تحولت إلى أزمة بنيوية مركبة تمس جوهر الحياة اليومية للسكان، وتضعهم أمام تحديات وجودية في ظل استمرار القيود وغياب حلول مستدامة تعيد الحد الأدنى من الخدمات الحيوية.