لم تتوقف تداعيات العملية التي شهدتها بلدة تل، جنوب غربي نابلس، عند حدود المواجهة الميدانية التي أوقعت قتلى وجرحى، بل سرعان ما تحولت إلى محطة سياسية وأمنية استغلتها حكومة الاحتلال الصهيوني للإعلان عن خطوات جديدة في المشروع الاستيطاني بالضفة الغربية.
وبينما رأت تقارير وتحليلات أن ما جرى يعكس تصاعد الغضب الفلسطيني وفشل سياسات القمع في فرض الهدوء، حذر مختصون من أن تل أصبحت ذريعة جديدة لتسريع الضم وفرض وقائع ميدانية تعمّق عزل التجمعات الفلسطينية وتوسع رقعة الاستيطان.
العملية تكشف تصاعد التوتر في الضفة
واعتبر تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي" أن العملية التي شهدتها بلدة تل جاءت انعكاساً لحالة الاحتقان المتصاعدة في الضفة الغربية نتيجة استمرار الاقتحامات العسكرية، ومصادرة الأراضي، وتصاعد اعتداءات المستوطنين.
وأشار التقرير إلى أن سكان البلدة رفضوا الخضوع للواقع الذي تفرضه سلطات الاحتلال، وأن ما جرى أظهر أن سياسة القوة لم تنجح في إنهاء حالة المقاومة، بل ساهمت في خلق بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة.
وخلال المواجهات، دافع فلسطيني عن نفسه، وتمكن من الاستيلاء على سلاح أحد المستوطنين الصهاينة خلال محاولة هذا المستوطن الاعتداء عليه في قرية تل، وأطلق الفلسطيني النار ما أدى إلى مقتل مستوطنين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل أن تشن قوات الاحتلال والمستوطنون هجمات واسعة على بلدة تل والقرى المجاورة، أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين، وإحراق منازل، وتحويل عدد من المباني السكنية إلى مراكز ميدانية للتحقيق والاستجواب.
تل… ذريعة لتوسيع الاستيطان
ويرى التقرير البريطاني أن رد حكومة الاحتلال لم يكن استجابة استثنائية للعملية، بل امتداداً لسياسة طويلة تقوم على استغلال أي مواجهة فلسطينية لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتسريع المشاريع الاستيطانية.
وبحسب التقرير، فإن حكومة الاحتلال كثفت منذ اندلاع الحرب على غزة عملياتها العسكرية في الضفة الغربية، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي، في وقت تسارعت فيه إجراءات المصادقة على مخططات استيطانية جديدة وشرعنة البؤر العشوائية.
ثلاثة أهداف تقود السياسة الإسرائيلية
ويشير التقرير إلى أن تحركات الاحتلال في الضفة الغربية تخدم ثلاثة أهداف رئيسية، أولها، منع اندلاع انتفاضة واسعة في الضفة الغربية بالتزامن مع استمرار الحرب في قطاع غزة، عبر تكثيف العمليات العسكرية واستخدام العنف الاستباقي لإحباط أي تحرك فلسطيني واسع.
أما الهدف الثاني، فيتمثل في الحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي اليميني، من خلال منح قادة التيار الاستيطاني، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، مساحة أوسع لتنفيذ برامجهم القائمة على توسيع الاستيطان، وضم المنطقة "ج"، وتسليح المستوطنين، وتكثيف الاقتحامات للمسجد الأقصى.
فيما يتمثل الهدف الثالث في محاولة تعويض الإخفاقات العسكرية والسياسية عبر إظهار قدرة الحكومة على فرض السيطرة من خلال الاقتحامات العسكرية واستهداف المدن والمخيمات الفلسطينية.
القضية سياسية وليست أمنية
من جهته، يؤكد الخبير في الشئون الإسرائيلية عادل شديد أن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين ليست جديدة، لكنها حظيت هذه المرة باهتمام سياسي وإعلامي واسع عقب مقتل ضابط صهيوني ومستوطن خلال أحداث تل.
ويقول شديد إن الرواية الصهيونية ركزت على ضحايا الاحتلال، في حين جرى تجاهل استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة آخرين، معتبراً أن ذلك يعكس ازدواجية واضحة في التعامل مع الضحايا.
ويضيف أن إعلان الاحتلال شرعنة بؤر استيطانية جديدة عقب الأحداث يؤكد أن ما يجري "قضية سياسية وليست أمنية"، وأن العملية استُغلت لتوسيع المشروع الاستيطاني.
مساران متوازيان لفرض واقع جديد
ووفق شديد، تعمل إحكومة الاحتلال في مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في تعزيز المستوطنات عبر تطوير البنية التحتية وربطها بالمدن الصهيونية، بينما يقوم الثاني على تفكيك التجمعات الفلسطينية من خلال تكثيف الحواجز، وإغلاق الطرق، وعزل المدن والقرى عن بعضها البعض.
ويرى أن المشروع الاستيطاني بات يشكل مركز الثقل في صناعة القرار داخل حكومة الاحتلال، في ظل صعود شخصيات تنتمي إلى التيار الاستيطاني إلى مواقع صنع القرار.