قال مجلة "إيكونوميست" إن الولايات المتحدة أصبحت عالقة في الحرب مع إيران، في ظل غياب خيارات جيدة تمكنها من إنهاء الصراع، مشيرة إلى أن استمرار المواجهة يضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام مسارات محدودة ومعقدة.
وأشارت المجلة في تقرير تحليلي إلى أن الولايات المتحدة، وللمرة الأولى منذ نحو أسبوعين، لم تنفذ أي ضربات جديدة ضد إيران خلال الـ48 ساعة الماضية، في أعقاب 13 ليلة متواصلة من القصف الأمريكي و12 هجوما إيرانيا استهدف سفنا في الخليج العربي منذ 6 يوليو، وهو ما أدى فعليا إلى إعادة إغلاق مضيق هرمز.
وأضاف التقرير أن وقف إطلاق النار الذي وقعه الطرفان في أبريل، والذي أعقبته مذكرة تفاهم في يونيو، بات يبدو كأنه ذكرى بعيدة، في وقت تشير فيه تحركات الطائرات المقاتلة الأمريكية والقوات الخاصة والمعدات الطبية نحو المنطقة إلى أن ترامب يدرس إمكانية العودة إلى حرب واسعة.
وفي هذا السياق، نقلت المجلة عن ترامب قوله في 23 يوليو إن الولايات المتحدة "مستعدة تماما" لشن "هجوم شامل"، إلا أنها أشارت في المقابل إلى أن الرئيس الأمريكي لا يملك خيارات فعالة لإجبار إيران على تنفيذ التزاماتها الواردة في مذكرة التفاهم، بما في ذلك إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة والالتزام بمفاوضات تهدف إلى خفض مخزونها من اليورانيوم.
توسيع الضربات ضد إيران وخيارات التصعيد
وبحسب "إيكونوميست"، فإن أحد الخيارات المطروحة أمام واشنطن يتمثل في توسيع نطاق الهجمات ضد البنية التحتية الإيرانية الحيوية، بعدما نفذت الولايات المتحدة ضربات ضد مئات الأهداف منذ استئناف القصف في 7 يوليو.
وتشمل هذه الأهداف الدفاعات الجوية الساحلية الإيرانية، ومستودعات الصواريخ، والبنية التحتية اللوجستية العسكرية، فيما أكدت القيادة المركزية الأمريكية، المسئولة عن العمليات في الشرق الأوسط، أن الهدف من هذه العمليات هو "تقويض قدرة إيران على تهديد الملاحة التجارية في مضيق هرمز".
لكن التقرير أشار إلى أن الأسبوع الماضي حمل مؤشرات على انتقال الهجمات إلى نطاق أوسع، بعدما هدد ترامب سابقا بـ"تدمير" جسور إيران ومحطات توليد الطاقة ومرافق المياه، وهو ما بدا أن الولايات المتحدة بدأت بتنفيذه.
ولفتت المجلة إلى أن الطيران الأمريكي استهدف طرقا وأنفاقا وجسورا وخطوط سكك حديدية باتجاه بندر عباس، الميناء الجنوبي الذي يدير جزءا كبيرا من تجارة إيران، ما أدى إلى عزله عن بقية البلاد.
كما استهدفت الطائرات الأمريكية محطة لتحلية المياه في بونجي بمحافظة هرمزغان الجنوبية، ما أدى، وفقا لوسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، إلى انقطاع إمدادات المياه عن 10 آلاف شخص في 20 قرية.
وردت إيران على هذه الهجمات باستهداف محطات توليد الطاقة والمياه في الكويت، ما تسبب في اندلاع حرائق في عدد من المنشآت، في إطار هجمات انتقامية مماثلة.
جدل حول استهداف البنية التحتية المدنية
من جهته، نفى البيت الأبيض قصف مواقع مدنية، مؤكدا أن العمليات استهدفت "حصرا أهدافا عسكرية، بما في ذلك البنية التحتية اللوجستية العسكرية".
وفي 21 يوليو، قال الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، إنه لم يكن على علم بالضربة التي استهدفت محطة بونجي، فيما أشارت المجلة إلى أن استهداف البنية التحتية المدنية قد يُعد جرائم حرب، برغم أن وزارة الحرب الأمريكية "البنتاجون" التابعة لإدارة ترامب قللت مرارا من أهمية اتفاقيات جنيف والقانون الدولي.
المنشآت النووية في دائرة الاستهداف الأمريكي
وأشارت مجلة "إيكونوميست" إلى أن الولايات المتحدة تدرس أيضا توجيه ضربات جديدة ضد المنشآت النووية الإيرانية، وهي المواقع التي سبق أن استهدفتها واشنطن وكيان الاحتلال العام الماضي، ثم عادت الولايات المتحدة إلى ضربها مرة أخرى في فبراير.
وبحسب التقرير، يُعتقد أن الضربات الأمريكية ألحقت أضرارا كبيرة بمنشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية، وهي منشآت تقع داخل كهوف وتستخدم أجهزة الطرد المركزي لرفع مستويات تخصيب اليورانيوم إلى درجات أقرب إلى النقاء المطلوب لصناعة قنبلة نووية، ومن بينها منشأتا نطنز وفوردو.
وأضافت المجلة أن منشأة فوردو تعرضت للاستهداف باستخدام قنابل خارقة للتحصينات خلال الصيف الماضي، إلا أن منشأة أخرى في نطنز، وهي "كوهي كولانج غاز لا" المعروفة أيضا باسم "جبل الفأس"، يبدو أنها لم تتعرض للقصف.
وفي 22 يوليو، جدد ترامب تهديده باستهداف هذه المنشأة، بعدما قال في 13 يوليو إنه رغم عدم رصد الولايات المتحدة أي "نشاط" فيها، فإنه يعتزم "تدميرها" على أي حال، مضيفا: "أبلغوا الإيرانيين أن يكونوا مستعدين".
ويرجح معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث، أن الموقع لا يزال قيد الإنشاء ولم يبدأ تشغيله بعد، رغم أن إيران نقلت إليه آلاف أجهزة الطرد المركزي، وفقا لما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال".
صعوبة تدمير المنشآت العميقة
وترى "إيكونوميست" أن ترامب يستطيع إصدار أوامر باستهداف خطوط الكهرباء وفتحات التهوية وأنفاق الدخول الخاصة بالمنشأة، أو استخدام قذائف خارقة للتحصينات لضرب الغرف الموجودة تحت الأرض مباشرة.
لكن جيمس أكتون، من وقفية كارنيجي، يشكك في قدرة الأسلحة الأمريكية على تدمير الأنفاق أو إلحاق أضرار مباشرة بمحتويات المنشأة، مشيرا إلى أن "المنشآت العميقة تحت الأرض، مثل جبل بيك آكس/الفأس، محصنة عمليا ضد الأسلحة غير النووية".
كما أوضح أن تدمير أجهزة الطرد المركزي لن يؤدي بالضرورة إلى إجبار إيران على إبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة.
خيار الغزو البري الأكثر خطورة
وبحسب التقرير، لا يبقى أمام ترامب سوى خيار جذري آخر يتمثل في إصدار أمر بشن غزو بري، وهو الخيار الذي كان قد درسه في وقت سابق من هذا العام ثم رفضه.
وأثارت الضربات التي استهدفت خطوط النقل في جنوب إيران تكهنات بأن الولايات المتحدة تستعد لهذا الاحتمال من خلال منع وصول التعزيزات الإيرانية.
ويمكن أن يستهدف أي هجوم بري محتمل جزيرة خارك، وهي محطة حيوية لتصدير النفط الإيراني، أو ساحل الخليج العربي، أو المنطقة المحيطة بمضيق هرمز نفسه.
ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك مجموعتين ضاربتين لحاملات الطائرات في الشرق الأوسط، إضافة إلى قوات برمائية كبيرة.
مع ذلك، ترى المجلة أن هذا السيناريو يبقى بعيدا في الواقع، إذ إن احتلال جزيرة خارك قد يؤدي إلى وقف صادرات النفط الإيرانية، لكن البحرية الأمريكية قادرة على فرض حصار عليها من مسافة آمنة، في حين أن السيطرة عليها ستجعل القوات الأمريكية عرضة للخطر.
كما أن احتلال الساحل الإيراني على الخليج العربي لن يساهم بشكل كبير في وقف تدفق الصواريخ التي يمكن إطلاقها من مناطق أعمق داخل إيران.
أما شن هجوم بري على المنشآت النووية الإيرانية بهدف استعادة أو تدمير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، فسيكون، بحسب التقرير، من أكبر وأعقد العمليات العسكرية في التاريخ، مع احتمال كبير لحدوث كارثة.
وترى مجلة "إيكونوميست" أن إيران باتت تمتلك قدرة على التأثير في كيفية انتهاء الحرب أو استمرارها، بعدماا على مسار الحرب
وفي الوقت الذي يراجع فيه ترامب خياراته العسكرية، ترى مجلة "إيكونوميست" أن إيران باتت تمتلك قدرة على التأثير في كيفية انتهاء الحرب أو استمرارها، بعدما أظهرت قدرتها على الرد وتوسيع نطاق المواجهة.
وأشارت المجلة إلى أن الهجمات الإيرانية تسببت في إصابة ما يقرب من 100 جندي أمريكي خلال شهر يوليو وحده، كما اتسع النطاق الجغرافي للصراع بشكل واضحن كما أن إيران استهدفت، ولأول مرة منذ ثلاثة أشهر، مواقع داخل السعودية، كما هاجمت ميناء العقبة على البحر الأحمر جنوب الأردن، في وقت تراجعت فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل ملحوظ.
وأضافت أن السعودية شنت في 25 يوليو غارات على أهداف في اليمن ردا على هجمات نفذها الحوثيون، المدعومون من إيران، ضد ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر.
تداعيات اقتصادية وضغوط داخلية على ترامب
وفي الجانب الاقتصادي، أوضحت المجلة أن سعر خام برنت تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل في 23 يوليو للمرة الأولى منذ مايو، عقب هجمات الحوثيين وإعلانهم فرض حصار على الملاحة السعودية عبر المضيق، قبل أن يتراجع السعر إلى 97 دولارا في اليوم التالي.
أما على المستوى الداخلي الأمريكي، فأشارت "إيكونوميست" إلى أن الدعم للحرب التي يخوضها ترامب، والتي بلغت تكلفتها حتى الآن نحو 38 مليار دولار، يقترب من أدنى مستوياته على الإطلاق، في وقت تفصل البلاد ثلاثة أشهر عن انتخابات التجديد النصفي.
مساعٍ دبلوماسية لوقف التصعيد
وبحسب المجلة، يأمل دبلوماسيون عرب في إقناع ترامب بأن وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام قد يكون الخيار الأفضل، خصوصا في ظل ما وصفته بموقفه المتردد بشأن الخطوة المقبلة، لكن الصحيفة أشارت إلى عدم وجود مؤشرات تدل على أن إيران ستوافق بسهولة على إعادة فتح مضيق هرمز أو التخلي عن برنامجها النووي.
ونقلت المجلة عن إيلان جولدنبرج، المسئول الأمريكي السابق الذي يعمل حاليا في منظمة "جيه ستريت" المؤيدة للاحتلال، قوله إن النتيجة الأكثر ترجيحا تتمثل في نشوء "حالة طبيعية جديدة" تقوم على اشتباكات متكررة، وغارات جوية دورية ضد البرنامج النووي الإيراني، مع استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز ووجود أمريكي دائم في الشرق الأوسط.
وأضاف جولدنبرج: "لقد عملت في ملف إيران لما يقرب من 20 عاما وخياراتنا ليست مثالية أبدا، لكنني لم أر الأمور بهذا السوء من قبل. ولأول مرة في مسيرتي المهنية، أشعر بالحيرة".