رولا أديب السيد

ما الذي يجعل الناس يقتربون من الدين؟ وما الذي يدفع بعضهم إلى النفور منه؟ أهو ضعف الحجة، أم قسوة صاحبها؟ أهو نقص العلم، أم غياب الخُلُق؟ وهل يمكن لكلمةٍ فظة أن تبني ما هدمته، أو لقلبٍ متكبر أن يهدي قلبًا آخر إلى الله؟.

ولِمَ كان النبي ﷺ، وهو أكمل الناس هدايةً، يُؤلِّف القلوب برحمته قبل كلماته، حتى شهد له ربه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. إنها قاعدة تربوية خالدة؛ فالقلوب تُفتح بالرحمة قبل الموعظة، وتُستمال بالرفق لا بالشدة.

إن أخطر ما يواجه التربية والدعوة ليس قلة المتحدثين، بل أن يتحول الدين في نظر الناس إلى ملامح عابسة، وأصوات غليظة، وأحكام قاسية، بينما جوهره رحمة، وأخلاق، وتواضع، ولين. ومن هنا جاءت كلمات الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، لتدق ناقوس المراجعة، وتذكرنا بأن حسن الخلق ليس زينة للدين، بل هو من أعظم شواهده وأبلغ رسائله.

لقد عبّر الشيخ محمد الغزالي عن هذا المعنى بقوله: «أكره أصحاب الغلظة والشراسة، لو كان أحدهم تاجرًا واحتجت إلى سلعة عنده ما ذهبت إلى دكانه، ولو كان موظفًا ولي عنده مصلحة ما ذهبت إلى ديوانه، لكن البلية العظمى أن يكون إمام صلاة أو خطيب جمعة أو مشتغلًا بالدعوة؛ إنه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء».

هذه الكلمات لا تهاجم التدين، وإنما ترفض الصورة المنفرة التي قد يتلبس بها بعض المتدينين. فالناس قد يعرضون عن شخص غليظ في تجارتهم أو معاملاتهم، لكن أثر الغلظة يصبح أشد خطرًا حين تصدر ممن يمثل الدين؛ لأن كثيرًا من الناس يربطون بين سلوك الداعية وحقيقة الرسالة التي يحملها. وهنا تكمن المسؤولية التربوية؛ فالداعية والمربي والمعلم ليسوا ناقلين للمعلومات فحسب، بل هم سفراء للقيم بأخلاقهم قبل كلماتهم.

ولذلك يؤكد الغزالي هذه الحقيقة بقوله: «إذا لم يكن الدين خلقًا دميثًا، ووجهًا طليقًا، وروحًا سمحة، وجوارًا رحبًا، وسيرة جذابة، فما يكون؟» فالدين لا يظهر في كثرة العبارات، ولا في المظاهر وحدها، بل في اللين، وحسن المعاملة، والتواضع، والصبر، وسعة الصدر. وهذه الأخلاق ليست كماليات، وإنما من صميم التدين الذي دعا إليه القرآن، وجسده النبي ﷺ في حياته كلها.

ثم ينتقل الغزالي إلى قضية هي أصل كل إصلاح، فيقول: «إذا لم يكن الدين افتقارًا إلى الله، وانكسارًا في حضوره الدائم، ورجاءً في رحمته الواسعة، وتطلعًا إلى أن يعم خيره البلاد والعباد، فما يكون؟» فكلما ازداد العبد معرفة بربه، ازداد تواضعًا، وشعر بحاجته الدائمة إلى رحمته، ولم ير نفسه فوق الناس، بل رأى نفسه واحدًا منهم، يرجو لهم من الخير ما يرجوه لنفسه.

ومن أخطر الآفات التي قد تصيب العاملين في ميادين الإصلاح شعور بعضهم بأنه يحتكر الحقيقة، فيتكلم وكأنه معصوم من الخطأ، وينظر إلى الناس من برجٍ عالٍ. وقد وصف الغزالي هذا الداء بدقة حين قال: «بعض الوعاظ يتكلم فكأنه وحده المعصوم، والناس من دونه هم الخطاؤون.» إن هذه النظرة تقتل أثر الدعوة؛ لأن الناس يقبلون ممن يشعرهم بأنه شريك لهم في رحلة التزكية، لا قاضٍ يصدر عليهم الأحكام.

ولعل أخطر ما في الغرور أنه يتخفى أحيانًا خلف مظاهر الصلاح، ولذلك يحذر الغزالي بقوله: «إن القلب القاسي والغرور الغالب هما أدل شيء على غضب الله، والبعد عن صراطه المستقيم، ومن السهل أن يرتدي الإنسان لباس الطاعات الظاهرة على كيان ملوث وباطن معيب.» فالمعيار الحقيقي ليس كثرة الأعمال الظاهرة، وإنما ما تثمره من خشية، ورحمة، وتواضع، وإحسان إلى الخلق.

وفي المقابل، يقدم الغزالي نموذجًا راقيًا للنصيحة الصادقة، فيقول: «لو أن إنسانًا عرف معايبي فسترها عن الناس، وقصد ليكشف لي أخطائي ويرجع بي إلى ربي لشكرته ودعوت له… ورحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي».

إنها دعوة إلى ثقافة الستر، والرفق، والإصلاح، بعيدًا عن التشهير وطلب الانتصار للنفس. فالمربي الحق لا يفضح، بل يصلح، ولا يكسر النفوس، بل يأخذ بأيديها إلى الطريق المستقيم.

إن التربية ليست في أن نصنع أناسًا يخافون منا، بل أن نربي قلوبًا تحب الخير، وتثق بمن يدلها عليه. وليست الدعوة في كسب الجدل، وإنما في كسب الإنسان. وما أحوج بيوتنا، ومدارسنا، ومساجدنا، ومؤسساتنا، إلى خطاب يجمع بين قوة الحق، ورقة الأسلوب، وثبات المبدأ، وسماحة الخلق.

لقد كان النبي ﷺ أعظم داعية؛ لأنه كان أعظم الناس رحمة، وأحسنهم خلقًا، وألينهم جانبًا، فدخلت القلوب في دين الله قبل أن تنطق الألسنة بالشهادتين. وهكذا ينبغي أن يكون كل مصلح ومربٍّ؛ يحمل الحق بثبات، ويحمله إلى الناس برحمة، فلا يرى في نفسه فضلًا عليهم، بل يرى نفسه عبدًا فقيرًا إلى الله، يسأل أن يصلحه قبل أن يصلح غيره.

فإذا أردنا أن نعيد للدعوة بريقها، وللتربية أثرها، فلنبدأ من حيث بدأ القرآن: من تزكية النفس، ولين القلب، وحسن الخلق، والتواضع لله، ولعباده. فالكلمة الطيبة قد تفتح قلبًا أعياه الوعظ، والابتسامة الصادقة قد تكون بابًا إلى الهداية، والرحمة ستظل اللغة التي تفهمها القلوب في كل زمان ومكان.