د. علي محمد الصلابي
قصص القرآن الكريم من أعظم مصادر الهداية والتربية؛ إذ لا تقتصر على سرد الأحداث، بل تكشف سنن الله في الأمم، وتغرس القيم الإيمانية والعملية في النفوس. ومن هذه القصص ما ورد في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 246]. حيث تعرض الآية موقفًا يختبر فيه صدق الدعوى والعزيمة وإخلاص النيّة، ويبين أثر القيادة الصالحة، وأهمية الثبات عند التكليف، وخطورة التراجع عن العهود، ومن خلال الوقفات التفسيرية مع هذه الآية نقف مع أبرز الدلالات الإيمانية والتربوية والقيادية، وما تحمله من عبرٍ خالدة يحتاجها الأفراد والأمم في كل زمان.
– ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾:
إن بيان موضوع القصة ومكان الالتفات والاتجاه بالنظر والقلب؛ فالمعنى: ألم تنظر وتتفكر وتعتبر في أمر بني إسرائيل عندما قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله؟ (أبو زهرة، 2/884).
لقد اجتمع الملأ من بني إسرائيل، من كبرائهم وأهل الرأي فيهم إلى نبي لهم، ولم يجر في السياق ذكر اسمه، لأنه ليس المقصود بالقصة، وذكره هنا لا يزيد شيئاً من إيحاء القصة، وقد كان لبني إسرائيل كثرة من الأنبياء يتتابعون في تاريخهم الطويل.
لقد اجتمعوا إلى نبي لهم، وطلبوا إليه أن يُعيّنَ لهم ملكاً يقاتلون تحت إمرته (في سبيل الله)، وهذا التحديد منهم لطبيعة القتال، وأنه في (سبيل) يدلل على ترسّخ العقيدة في قلوبهم، ويقظة الإيمان في نفوسه، وشعورهم بأنهم أهل دين وإيمان وحق، وأن أعداءهم على ضلالة وكفر وباطل، ووضوح الطريق أمامهم للجهاد في سبيل الله، وهذا الحسم هو نصف الطريق إلى النصر، فلا بد للمؤمن أن يتضح في حسه أنه على حق وأن عدوه على باطل، ولا بد أن يتجرد في حسه الهدف في سبيل الله، فلا يُغشيه الغبش الذي لا يدري معه إلى أين يسير، وقد أراد نبيهم أن يستوثق من صدق عزيمتهم، وثبات نيتهم، وتصميمهم على النهوض بالتبعية الثقيلة، وجدّهم فيما يعرضون من الأمر (سيد قطب، 1/267).
– ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾:
ألا يُنتظر أن تُنكلوا عن القتال إن فرض عليكم؟ فأنتم الآن في سعة، فأما إذا استجيب لكم، فتقرر القتال عليكم فتلك فريضة إذن مكتوبة، ولا سبيل بعدها إلى النكول عنها، إنها الكلمة اللائقة بنبي، والتأكد اللائق بنبي، فما يجوز أن تكون كلمات الأنبياء وأوامرهم موضع تردد أو عبث أو تراخ، وهنا ارتفعت درجة الحماسة والفورة، وذكر الملأ أن هناك من الأسباب الحافزة للقتال في سبيل الله ما يجعل القتال هو الأمر المتعين الذي لا تردد فيه (سيد قطب، 1/267).
– ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾:
نجد أن الأمر واضح في حِسهم، ومقرَّر في نفوسهم. إن أعداءهم أعداء الله ولدين الله. وقد أخرجوهم من ديارهم وسبُوا أبناءهم، فقتالهم واجب، والطريق الواحدة التي أمامهم هي القتال، ولا ضرورة إلى المراجعة في هذه العزيمة أو الجدال، ولكنَّ هذه الحماسة الفائرة ساعة الرخاء لم تدم، ويُعجل السياق بكشف الخطوة التالية (سيد قطب، 1/267).
– ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾:
هنا نطلع على سمة خاصة من سمات أغلبية هؤلاء في نقض العهد والنكث بالوعد، والتفلّت من الطاعة، والنكوص عن التكليف، وتفرُّق الكلمة، والتولي عن الحق البيّن، ولكن هذه كذلك سمة كل جماعة لا تنضج تربيتها الإيمانية؛ فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية العالية الطويلة الأمد العميقة التأثير، وهي سمة ينبغي للقيادة أن تكون منها على حذر، وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر، كي لا تفاجأ بها، فيتعاظمها الأمر! فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل (سيد قطب، 1/267).
– ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾: لقد صبر القليل من بني إسرائيل، وهؤلاء الصابرون كانوا فئة الله الغالبة، وسرى دم الحياة في الأمة بعد انتصار تلك الفئة القليلة، فقادها من بعد ذلك نبي الله داوود إلى مواطن النصر والظفر (أبو زهرة، 2/888).
– ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: الذين يُعرضون عن تنفيذ أمره، ويظلمون أنفسهم بمعصيته. ودلت الآيات على كمال علمه تعالى، وأنه سبحانه يعلم ما يكون قبل أن يكون؛ علم تعالى أن أكثرهم لن ينقاد لأمره، ولن يستسلم لشرعه، ومع ذلك استجاب تعالى لطلبهم، وكلفهم بالجهاد وهيأ لهم أسبابه، ابتلاءً لهم وإظهاراً لفضل الفئة القليلة الصالحة المستسلمة لأمره الشرعي وحكمه القدري جل وعلا (طهماز، 1/369).
ومن فوائد الآية الكريمة:
– تحريم ترك الجهاد في سبيل الله.
– أنه لا بد للجيوش من قائد يقودها.
– أنه لا بد من طاعة القائد.
– أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الملك، لأنهم طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكاً.
– امتحان المدَّعي للشيء لتستبين حقيقة دعواه.
– استنهاض الهِمَم للجهاد في سبيل الله بذكر حال المظلومين.
– أن بعض من يدّعي فعل الخير، قد لا يثبت عليه إذا جاء وقت الجد.
– أن من مُبيحات القتال: رفع الظلم عن المظلومين، وإعادتهم إلى ديارهم واستنقاذ ذُرياتهم من أيدي الظالمين.
– ابتلاء الله لعباده بفعل الواجبات وترك المحرمات.
– أن من العبادة الثبات عند الابتلاء.
– الإشارة إلى أنه لا يصح الاستهانة بالأعداء وتمني مقابلتهم؛ لأن كثيراً ممن يدعي الشجاعة والثبات ربما يفر إذا لاقاهم. ولذلك قال النبي (ﷺ): «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموه فاصبروا». (رواه البخاري، رقم 2966، ورواه مسلم، رقم 1742)
– أن ترك القيام بما أوجبه الله ظلم.
– أن الأخذ بالأسباب لملاقاة الأعداء والإعداد لجهادهم -وذلك من أجل تحرير بلاد المسلمين وإنقاذ أسراهم- هو واجب. وهذا يختلف عن التمنّيات والادّعاءات الفارغة القائمة على الاستهانة بالعدو، والاغترار بالنفس.
– الحذر من تغيّر النيات وانحلال الهمم والعزائم في فعل الخير.
– سلب الأبناء أشد على النفس، لأجل الحاجة إليهم حالاً ومستقبلاً.
– أن العلماء يضبطون حماس العامّة ويُوجهونه.
– إيقاف المدّعي على حقيقة نفسه.
– الحياة تهون في نظر المظلوم المقهور المسلوب؛ فيكون أكثر استعداداً للقتال.
– ليس هناك تنافٍ بين الجهاد في سبيل الله، وبين استرجاع الدّيار المسلوبة والذُرية المأخوذة، بل يُستثمر الثاني لتعزيز الاندفاع إلى الأول (المنجد، ص 408).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
- أبو زهرة، محمد. زهرة التفاسير، القاهرة، دار الفكر العربي، 1987م.
- سيد قطب. في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، ط17، 1412ه.
- طهماز، عبد الحميد. التفسير الموضوعي لسور القرآن، دار القلم، دمشق، ط1، 1435ه.
- المنجد/ محمد صالح. تفسير الزهراوين: البقرة وآل عمران، دار العبيكان، الرياض، ط1، 2016م.