الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد
لم يعد الاستعمار في عالمنا المعاصر بالضرورة جنودا، ودبابات، وطائرات، وسفن تنتقل من أرض إلى أخرى، فقد تتبدل وسائل الاحتلال، وأدوات السيطرة على الآخر، بشكل أقوى، وأقسى من الاستعمار التقليدي، وإن كان يبقى الهدف واحدا، والغاية مشتركة لا تختلف، وهي القضاء على المجتمع، و تدميره على مستوى جميع الأصعدة، حتى لا يقوى على التقدم، والرقي، والوصول إلى مصاف المجتمعات المتطورة، والمتحضرة.
ومن أخطر الأدوات، والوسائل ، التي يمكن أن تقوم بهذا الدور الاستعماري الخطير في عصرنا الحاضر المخدرات، ذلك لأن هذه الأخيرة لا تقتل الفرد فقط، بل تستعمر أفكاره، وعقله، وإرادته، وحاضره، ومستقبله، ليصبح هذا الفرد أسير هذه السموم، فلا يفكر في إنتاج، أو ابتكار، او اكتشاف، همه الوحيد الوصول إلى هذه المواد المخدرة بأي شكل من الأشكال، فيتحول المجتمع في الأخير إلى ظلمات بعضها فوق بعض، فلا طمأنينة، ولا أمن، ولا استقرار في كل المجالات، والميادين.
فالإنسان الذي يعول عليه أن يكون خادما لمجتمعه، مجتهدا في تحسين ظروف معيشته، باذلا كل مافي وسعه من أجل وطنه، ومجتمعه، يتحول بسبب هذه المخدرات من إنسان منتج إلى إنسان مستهلك، ومن عنصر بناء، وتشييد إلى عنصر تدمير، وهلاك في المجتمع، ومن طاقة إيجابية فاعلة إلى طاقة سلبية معطلة، تستغل قدراتها فقط في السرقة، والقتل، والإجرام، وهو مايؤدي وبلا شك إلى استنزاف دخول، وثروات البلد، ليصبح في الأخير بلدا تابعا، لا متبوعا، وبلدا يعيش على هامش التاريخ، والحضارات الإنسانية.
وهذا ما أكدته العديد من الأبحاث، والدراسات، حيث أن الإدمان خاصة عند الشباب يؤدي إلى ضعف القدرة الإنتاجية لدى الفرد، وبالتالي انخفاض دخله، وعدم القدرة على إشباع الحاجات الأساسية، مما يؤثر على الإنتاج الوطني، وبرامج التنمية، ممايترتب عنها في الأخير ارتكاب الجرائم، كالسرقة، القتل، الاغتصاب، والمشاركة في جماعات إرهابية لتحقيق الأهداف الشخصية.
كما أن الإدمان على المخدرات يؤثر على الأمن الجسمي، فيتسبب في آلام فضيعة، وأمراض خطيرة، تصيب الجسم، والعقل، وتعطل وظائف أعضائه، والإصابة بالأمراض المعدية كالسيدا، والوفاة في معظم الأحيان، بالإضافة إلى اضطراب الشخصية، وانعدام الذاكرة، والانتباه، والإدراك، وفقدان المعرفة، هذا إلى جانب الاكتئاب،والشعور بالفشل، وفقدان الثقة في الذات، واضطراب العلاقات الاجتماعية، والعدوان الموجه نحو المجتمع كالصراعات الزوجية، التي تؤثر على المعاش النفسي للأبناء، وارتكاب الجرائم المختلفة، والتشرد، والطلاق، والعداون الموجه إلى الذات كالانتحار.[1]
فإنسان بهذا الشكل يستحيل أن يقدم شيئا لوطنه، ومجتمعه، بل إنه سيكون سببا في صناعة جيل يعمل على تحطيم بلده، وتدميره تدميرا شاملا، و هذا هو الاستعمار الحقيقي بكل ماتحمل الكلمة من معنى.
لذلك ومما سبق، وغيره نجد الإسلام قد حرم هذه السموم تحريما شديدا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]،
ويقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: “قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية : رجس سخط ، وقد يقال للنتن، والعذرة، والأقذار رجس ، والرجز بالزاي العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين ، ومعنى من عمل الشيطان أي : بحمله عليه، وتزيينه، وقيل: هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه حتى اقتدي به فيها.”[2]
ويقول المولى عز وجل أيضا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “كلُّ مسكرٍ خمرٌ وكلُّ مسكرٍ حرامٌ “[3].
والشريعة الإسلامية كما هو معلوم من مقاصدها السامية إيجاد الفرد الصالح، الذي يبني، ولا يهدم، يجمع، ولا يفرق، ويكون سببا في تنمية مجتمعه في الحاضر، والمستقبل، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ٌ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٌ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٌ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٌ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٌ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٌفَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٌ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ٌوَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 1- 10].
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يهمل المجتمع بناء الإنسان الصالح، والمستقيم قولا، وعملا، فعن مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يَذهَبُ الصَّالِحونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ، ويَبقى حُفالةٌ كَحُفالةِ الشَّعيرِ أوِ التَّمرِ، لا يُباليهمُ اللهُ بالةً.[4]“[5]
وتلعب هذه المؤسسات دورا كبيرا في توعية التلاميذ، والشباب بمخاطر المخدرات، ويكون ذلك بشكل مستمر، وليس مجرد محاضرة موسمية.
المسجد
وله دور عظيم في تصحيح المفاهيم لدى الشباب، منها أن السعادة مع الله تعالى، وليس مع هذه السموم القاتلة للفرد، والمجتمع معا.
المؤسسة الإعلامية
ذلك لأن هذه الأخيرة، وبنوعيها التقليدي، والحديث تقوم بدور هام جدا في المجتمع، فهي من خلال ما تقدمه من برامج، وأفلام، وقراءات، وغيرها ، تستطيع أن تجعل من الفرد إنسانا واعيا بوظيفته، ورسالته في هذه الحياة.
توفير العمل للشباب
لأن العمل يجعل الفرد بعيدا عن التفكير في هذه السموم، فالبطالة، والفراغ من أكبر أعداء الإنسان ، خاصة إذا اجتمع معهما المال، والثراء الفاحش.
الردع وقوة السلطان
فهناك نوع من البشر لا يفهمون أبدا لغة الوعظ،و التوعية، بل يفهمون فقط لغة العقاب الشديد، والضرب بيد من حديد من الجهات الأمنية، والرسمية في البلاد، وصدق عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما قال: “إن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن”.
وصفوة القول إن مفهوم الاستعمار اليوم قد تغير، فهو لا يعني الدبابة، أو الجيوش، أو الطائرات، وإنما يعني التدمير بوسائل أخرى، تقضي على المجتمع في كل المجالات، والميادين، وعلى رأس هذه الوسائل المخدرات، التي تستولي على الشباب، وتحتل عقولهم،مما يجعلهم فاقدين لهويتهم، ولا يشعرون بالإنتماء إلى وطنهم، وبالتالي تراهم يعملون على تدمير مجتمعهم، وتخريبه، وجعله أثرا بعد عين كما يقال، لذلك من الحكمة، والضرورة بمكان أن يقاوم المجتمع هذه السموم قبل فوات الأوان، لأن مقاومة المستعمر واجب، وشرف تتوارثه المجتمعات جيلا بعد جيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
** الهوامش
[1]عنو عزيزة، المخدرات والأمن الإنساني، مجلة البحوث والدراسات، الجزائر، ع8، جوان 2009م ، ً ص: 05.
[2] القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن، ج06، ص : 215.
[3] أخرجه الطبراني برقم 898.
[4] أي لا يكترث بهم، ولا يرفع لهم قدرا.
[5] رواه البخاري برقم 6434.