أكد المشاركون في ندوة "الإضرابات بين الفوضى والتأثير" التي عُقدت في الصالون السياسي لنواب الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن موجةَ الإضرابات الأخيرة التي اجتاحت مصر هي موجة تُعبِّر عن مدى الضيق واليأس الذي أصاب الشعب المصري في ظل نظامٍ سياسي مصاب "بالعمى السياسي"، وأن تلك الاحتجاجات المتتالية هي ترمومتر للشارع المصري الذي يرى أن الغلاء والفساد والتخبط السياسي والاجتماعي أصاب الحياةَ العامةَ في "مقتل".
د. محمد سعد الكتاتني

في البداية أكد الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أن الساحة المصرية تمر بمرحلة غليان شعبي غير مسبوق، مضيفًا أن الشارع لم يكن متعودًا على تلك الإشكال الاحتجاجية، ولكن الوضع الخانق الذي يمر به المواطن البسيط هو الذي جعله يخرج عن صمته ويهتف بأعلى صوته مطالبًا النظام بأبسط حقوقه، وهي أن يعيش بصورةٍ كريمةٍ.
وأوضح أن الذي جعل الشارع يخرج معبرًا عن غضبه من خلال تلك الإضرابات هو أنه أصبح غير مقتنع الآن تمامًا بالحزب الوطني؛ بل أصبح رافضًا له ولسياساته، ومنتقدًا السلوك الأمني الذي تعامل به النظام مع المواطنين؛ الأمر الذي يدل على فقدان النظام شرعيته فيحاول من خلال يده الأمنية أن يبطش بمعارضيه بأي وسيلة.
أما عن موقف الإخوان من إضراب 6 أبريل الذي دعت إليه بعض القوى الوطنية، فأكد د. الكتاتني أنه عرض الأمر على قادة الجماعة الذين تساءلوا عن عدة أشياء مهمة من أجل المشاركة، وهي هل هناك توافق وطني على الإضراب العام أم لا؟ وهل هناك أجندة واضحة متفق عليها للإضراب أم لا؟ وهل له توقيت معين؟ وهل له قيادة محددة؟ فعندما لم يجدوا ردودًا واضحةً رفضوا المشاركة؛ خوفًا من أن يكون احتجاجًا فوضويًّا، ورغم ذلك أكدوا في بيانهم الصادر أن من حق أي مواطنٍ أن يعترض ويُضرب، وهذا ما كفله القانون والدستور.
وأضاف أن هناك إجماعًا وطنيًّا حول ثوابت العمل الوطني بين جميع التيارات السياسية على الساحة؛ مما يُشكِّل بارقة أمل في حدوث انفراجةٍ سياسية، ولكن ليست في القريب العاجل، مشيرًا إلى أنه على الحكومة أن تراجع نفسها، وأن تكفَّ عن المعالجات الأمنية، مضيفًا أن تلك المعالجات الأمنية تنم عن ارتباك النظام وانخفاض شديد في شعبيته.
حسين محمد إبراهيم

وأرجع النائب حسين محمد إبراهيم نائب رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب حالة الاحتقان الشديدة التي يمر بها الشارع المصري على المستوى الاجتماعي والسياسي إلى ضعف الأداء الذي يصل للسلبية من جانب الحكومة والنظام تجاه الأزمات التي يمر بها المواطن البسيط.
وأوضح أن مسلسل الفشل الحكومي ما زال مستمرًّا على جميع المستويات، فالغلاء ما زال مستوحشًا ورجال الأعمال الذين يحتكرون السلع والمنتجات الأساسية والمتحكمون في مصائر وأقوات العباد ما زالوا ينعمون دون مساءلة قانونية، بالإضافةِ إلى حالة حقوق الإنسان الهزيلة الكفيلة بإطاحة الحكومة والحكومات السابقة، ليس هذا فحسب ولكن وجود حالة سياسية مُعطَّلة وهشة في ظل سيطرة الحزب الحاكم في مجريات الحياة السياسية نتيجة عمليات التزوير والقمع التي يمارسها النظام ضد معارضيه في الانتخابات التشريعية والنيابية والمحلية.
وأكد إبراهيم أن كل الملابسات والأحداث المتوالية على الساحة السياسية والاجتماعية هي التي جعلت الشارع يثور، وهذا ما ظهر في أحداث المحلة الأخيرة، موضحًا أن هناك فصيلاً أمنيًّا داخل النظام الحاكم يريد لتلك الاحتجاجات والإضرابات أن تخرج عن منهجها السلمي، ويتسنى له القضاء على حركةِ الشارع من خلال إصدار تشريعات وقوانين تكمم الناس.
![]() |
|
د. عمرو الشوبكي |
من ناحيته رأى الدكتور عمرو الشوبكي الباحث بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام أن سلسة الإضرابات المتلاحقة التي قام بها جميع فئات الشعب تقريبًا من عمال ونقابيين وأساتذة جامعات وغيرهم من فئات الشعب المختلفة تؤكد أنها طاقة غاضبة تفجَّرت من أجل أن تُعبِّر عن نفسها، وإن خرجت بصورةٍ سلبيةٍ، خصوصًا خلال أحداث المحلة الأخيرة التي تعرَّض فيها الأهالي إلى قمعٍ أمني رهيب نتيجة ثورة الأهالي والعمال.
وأضاف الشوبكي أن تلك الاحتجاجات والإضرابات ستستمر، وستتزايد ما دام النظام يستخدم العصا الأمنية في مواجهة معارضيه ليس هذا فحسب، ولكنه يستخدمها ضد "الغلابة" من أبناء الوطن في محاولةٍ لإسكاتهم وتكميم أفواههم عن المطالبة بأبسط حقوقهم من مأكلٍ وملبسٍ ومسكن، مؤكدًا أن ذلك التعامل الأمني ضد هؤلاء "الغلابة" يزيد في ظل صمتٍ إعلامي حكومي وصمت أمني عن المخالفات الجسيمة التي يرتكبها رجال الأعمال المحسوبون على النظام.
مؤكدًا أن الحكومةَ تقوم بمساندة هؤلاء المتلاعبين بأقوات الفقراء والمحتاجين، موضحًا أن المحصلةَ في النهاية هو شعور ذلك المواطن البسيط بالعجز والضعف مما يجعله يخرج إلى الشارع، ولكنه يخرج رافعًا شعار "يا قاتل يا مقتول".
وأشار د. الشوبكي إلى أن تزايد موجات الغضب تلك جاء متزامنًا مع تفاعلٍ شبابي خاص من خلال التجمعات المنتشرة على الإنترنت، وخصوصًا الـ"FACEBOOK" الذي صدرت منه الدعوة الشبابية للوقوف بجانب العمال ومناصرة قضياهم، بل وجعل يوم 6 أبريل يوم تضامن شعبي أمام الطغيان الحكومي وسياستها المستهترة، مؤكدًا أن الشكل الذي تعاملت به الأجهزة الأمنية مع تلك التفاعلات والاحتجاجات كان تعاملاً ينم عن سذاجةِ النظام، فمن الطبيعي في ظل هذا الكم الهائل من موجاتِ الغضب والاحتجاجات والإضرابات أنه من المفروض التعامل مع تلك الأحداث بشيء من الروية والحكمة، ولكن النظام- وللأسف- تعامل بمنطقه الدائم القائم على "الغباء السياسي"؛ مما أدَّى إلى فشل النظام في إسكاتِ معارضيه، ولكنه يزداد له يومًا بعد يومٍ عدو جديد من أبناء شعبه.
وأوضح الشوبكي أن هناك سيناريوهات عديدة للوضع العام في مصر الفترة المقبلة في ظل الغليان الشعبي مقابل التعنت الحكومي، فالسيناريو الأول هو استمرار تلك الوقفات الغاضبة والاحتجاجات الصاخبة وتزايدها بل تحولها إلى شكلٍ عنيفٍ بعض الشيء، مضيفًا أن المسكنات التي كانت الحكومة تستخدمها لإسكات المحتجين لن يعد له فائدة، ولن يفلح معه تلك الأدوات التي كانت الحكومة تستخدمها معه مثل المكافآت الاستثنائية والعلاوات وغيرها، مضيفًا أن الحكومةَ لن تستطيع أن تلبي جميع المطالب وإلا أصبحت من وجهة نظرها "لعبة في يد كل من هبَّ ودب".
أما السيناريو الثاني فهو ظهور بعض الوجوه السياسية المقبولة نتاج تلك التفاعلات والإضرابات المختلفة الناتجة في الأصل عن مشكلاتٍ اجتماعية، مضيفًا أن تلك الوجوه التي من الممكن أن تكون طلابية أو عمالية أو حتى نقابية أو مهنية ستقوم بإنعاش الحياة السياسية بدلاً من حالةِ المخبر والحرامي التي يتعامل بها النظام ضد كل مَن يقف أمامها.
أما السيناريو الثالث الذي يراه د. الشوبكي في الفترة المقبلة هو حدوث المزيد من تلك الإضرابات والتظاهرات والفعاليات التي تؤدي إلى إرباكِ النظام وفقدانه توازنه وشعوره أنه غير قادر على الاستمرار، ومن ثَمَّ خروج تيار من النظام نفسه ينادي بوفاقٍ واتحادٍ وطني حر يجمع بين القاصي والداني في محاولةٍ لإنقاذ الوضع المتدهور.
أما السيناريو الرابع والأخير من وجهة نظره هي رفع راية العصيان المدني الشامل، موضحًا أنها ستكون المحاولة الأخيرة أمام الجماهير.
![]() |
|
م. سعد الحسيني |
وفي مداخلة للنائب سعد الحسيني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ونائب المحلة أكد أن ما حدث في المحلة كان جريمةً مدبرةً من النظام لإسكات معارضيه، مؤكدًا أن النظام مارس أبشع صور القمع الأمني في مواجهة احتجاجات الأهالي مستخدمًا القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الحي؛ مما أدَّى إلى وفاةِ وإصابةِ العشرات واعتقال المئات من أبناءِ المحلة، مضيفًا أن الأهالي كانت تتلذذ بضرب الأمن وكأنها تُخرِّج شحنةً داخلية.
وقال يسري بيومي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان: "إننا كعمالٍ لم نجد مَن يسمعنا حتى الآن"، وقال: "لقد قلت في مارس 2006م في حلقةٍ نقاشيةٍ حول رؤية مستقبلية لما يحدث في مصر في نقابة الصحفيين.. انتظروا العمال، فالتغيير سيكون على أيديهم"، مضيفًا أن النظام قوي بقمعه وأدواته الأمنية، وعلى الجميع أن يلتفتوا إلى الواقع سواء النظام أو المعارضة أو الشارع، وإلا سيتحول الشارع إلى محرقةٍ تطول الجميع.

