وافق مجلس الشعب اليوم على قرار رئيس الجمهورية بمدِّ العمل بقانون الطوارئ لمدة عامين بأغلبية 305 أعضاء واعتراض 103 نواب من الإخوان والمعارضة والمستقلين.
وشهدت مناقشات مجلس الشعب اليوم مواجهاتٍ ساخنةً وحادَّةً وصلت إلى حدِّ التراشق بالألفاظ بين بعض نواب الأغلبية والمعارضة، وبدأت المناقشات بطلب عرض مخالفة لائحية للدكتور محمد البلتاجي الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، الذي أشار إلى أن المادة 148 من الدستور أعطت الحكومة الحقَّ في طلب إعلان حالة الطوارئ في عدة حالاتٍ؛ منها عند وقوع كوارث طبيعية أو النكبات أو وقت الحرب.
![]() |
|
د. محمد البلتاجي |
وقال إن الحكومة والأغلبية يتلاعبان بالدستور والقانون، وأضاف أنه من غير المعقول أن تعيش مصر 29 سنة تحت حكم الطوارئ بلا مبرر موضوعي، وأشار إلى أنه يضع في رقبة المجلس ما لا يقل عن 50 ألف أسرة اعتُقل أربابها ولا يعلم أحد مصيرهم حتى الآن.
وانضم النائب طاهر حزين إلى البلتاجي، مشيرًا إلى أنه لا توجد أية حاجة لعرض قرار رئيس الجمهورية بشكلٍ عاجلٍ، حيث إن رئيس الوزراء لم يطرح سبب الاستعجال في مد حالة الطوارئ، مشيرًا إلى أن المجلس يخالف الدستور.
وعلَّق د. فتحي سرور على أن مكتب المجلس هو السلطة المختصة بتحديد الموضوعات التي تعرف- وفقًا للقواعد العامة- باللائحة الداخلية للمجلس.
وفي كلمته تساءل الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان عن فلسفة الحكومة في مدِّ حالة الطوارئ رغم أن الإرهاب قد ترعرع في ظلها، ولم تمنع الطوارئ جريمةً إرهابيةً واحدةً، مستشهدًا بما حدث في الأقصر وشرم الشيخ وسيناء والتحرير، مشيرًا إلى أن الحكومة لا تريد مدَّ حالة الطوارئ سوى لحماية الفساد والمحتكرين، وقال إن الحكومة تحاول أن تغطيَ على فشلها في توفير رغيف الخبز وكوب المياه النظيف للمواطن، مطالبًا بحوارٍ مجتمعي بين الأغلبية والمعارضة والحكومة لإيجاد حلول فعلية وواقعية لمشكلات مصر، بدلاً من التوسع في تطبيق القوانين الاستثنائية.
![]() |
|
د. محمد سعد الكتاتني |
وقد تحدَّث في بداية المناقشة زعيم الأغلبية عبد الأحد جمال الدين، مشيرًا إلى أنه لا يرفض قانون الطوارئ إلا كلُّ من يريد أن يعبث بأمن الوطن، ويتاجر في المخدرات والسموم، ويتاجر في قوت الشعب، وزعم أنه لو أجري استطلاع للرأي للشارع المصري لوافقوا جميعًا على الطوارئ، وقالوا إنهم لا يحسون بوجود قانون الطوارئ.
وقال محمد مصطفى شردي نائب الوفد إن مصر تحوَّلت إلى بلد طوارئ، رغم أن قانون العقوبات والإجراءات الجنائية يكفي لمواجهة أي تهديد لأمن واستقرار مصر، ودعا زعيم الأغلبية إلى النزول للشارع "وسوف يسمع من المواطنين معاناتهم عن الغلاء وغياب الديمقراطية والقهر السياسي" وقال إن الطوارئ لم تحمِ سوى النظام وليس أمن مصر.
كمال الشاذلي ونواب الوطني احتشدوا لتمرير القانون
وشهد المجلس أزمةً حادةً خلال كلمة النائب كمال الشاذلي؛ حيث بدأ كلمته قائلاً: "إذا كان لأحدٍ من النواب الذين يرفضون قانون الإرهاب أحد من أبنائه أو أفراد أسرته قد اغتالته يد الإرهاب، لَمَا وقف ليقول هذا الكلام"، وقاطعه عدد من نواب الإخوان، ومنهم سعد الحسيني وحسنين الشورة ورفعوا أصواتهم حتى منعوه من استكمال حديثه، فخاطب الحسيني قائلاً: "حِل مشاكل دايرتك بالمحلة أولاً"، واستمر انفعال النواب عليه حتى أجبروه على الجلوس وعدم استكمال كلمته، وأنهى حديثه قائلاً: "لن نسمح لقوى الشر ودعاة الظلام بإيقاف هذه المسيرة"!!

ورفض محمد عبد العزيز شعبان ممثل حزب التجمع مدَّ العمل بالطوارئ، مشيرًا إلى أنها تؤدي إلى تكميم الأفواه، ولا تحمي مصر، وأشار إلى أن العديد من الجرائم الإرهابية قد ارتُكبَت في مصر في ظل قانون الطوارئ.
محمد العمدة

واتهم النائب محمد العمدة ممثل الحزب الدستوري الحكومةَ باستخدام قانون الطوارئ لتحجيم أحزاب وقوى المعارضة وإفساح المجال للحزب الوطني لتزوير الانتخابات، وقال إن الطوارئ تُستخدَم ضد صاحب أي فكر إسلامي، حتى ولو كان معتدلاً.
وأعلن د. أحمد عمر هاشم موافقته على قرار المدِّ، مشيرًا إلى أن الجميع يجب أن يكون على قلب رجل واحد لتطبيق العدل والأمان، وألا يخشى أحد من أي قانون يصون حرمة من الحرمات.
كما وافق النائب المعارض رجب هلال حميدة على مدِّ العمل بالطوارئ، وقال إنه في ظل قانون الطوارئ وصل عددٌ كبيرٌ من نواب المعارضة إلى البرلمان، وزادت رقعة العمل الإعلامي والصحف المستقلة، وأصبح في مصر 24 حزبًا سياسيًّا.
![]() |
|
حسين محمد إبراهيم |
واستشهد النائب حسين محمد إبراهيم نائب رئيس الكتلة في بداية حديثه بمقولةٍ لرئيس المجلس د. فتحي سرور حول رفضه أن يكون هناك ضحايا للإرهاب أو لمكافحة الإرهاب، مشيرًا إلى أن حكم مصر تحت 27 سنة طوارئ أدى إلى انتشار ثقافة الطوارئ، وجعلت غالبية ضباط الشرطة لا يستطيعون العمل إلا بقانون الطوارئ، وقال إن الملازم الذي تخرَّج عام 1981 وأصبح الآن لواءً أو عميدًا لم يعمل إلا في ظل قانون الطوارئ.
كما استشهد بتقارير المجلس القومي لحقوق الإنسان التي أكَّدت أن مراكز الشرطة في ظل قانون الطوارئ أصبحت سلخانات بشرية؛ يتم بها ممارسة التعذيب بصورة منهجية، كما أشار إلى استغلال الحكومة الطوارئ في إحالة المدنيين إلى المحاكمات العسكرية، مطالبًا بالتصويت على الطوارئ نداءً بالاسم؛ حتى لا يخدعَ بعض النواب أبناء دوائرهم ويقولوا إنهم رفضوا رغم أنهم في الجلسة كانوا في مقدِّمة الموافقين.
كما اتهم النائب حمدين صباحي الحكومة بأنها وعدت وأخلفت، مهاجمًا البيان الذي ألقاه رئيس الوزراء، وقال إنه لم يذكر فيه سببًا واحدًا لمد العمل بالطوارئ.
وطالب النائب مصطفى بكري الرئيس بإقالة رئيس الوزراء بعد عجزه عن ذكر أي مبررات واقعية لمدِّ حالة الطوارئ، واتهم بعض قيادات الحزب الوطني بمحاولة إشعال البلد، وأضاف قائلاً: "البعض من داخل النظام يحاول إغراق المركب".
وشهدت الجلسة أزمةً عنيفةً بين نواب المعارضة والإخوان ونائب الوطني محمد عبد الفتاح عمر، حينما وجَّه كلامه إلى نواب المعارضة قائلاً: "من حقكم أن ترفضوا الطوارئ؛ لأنه يجهض مخططاتكم وتحركاتكم، وأنتم أساس الإرهاب والبلاء في مصر"، وقاطعه النواب مطالبين سرور بمحاسبته وإحالته إلى لجنة القيم، غير أن سرور أكد أن كلماته لم تُسجَّل في المضبطة، ولم يسمع الأمين العام تلفُّظَه بألفاظٍ نابيةٍ.
![]() |
|
صبري عامر |
وقال النائب صبري عامر عضو الكتلة: "حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من قتل ضباط شرطة في حادث إرهابي، وحسبنا الله ونعم الوكيل في الذين لم يطبقوا قانون الطوارئ على ممدوح إسماعيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل في الذين طبَّقوا قانون الطوارئ وسجنوا نواب سابقين ظلمًا وعدوانًا"، واقترح تأجيل مناقشة قانون الطوارئ لمدة 6 أشهر حتى نجرِّب أن نعيش في وضع طبيعي من غير طوارئ.
وتحدث النائب سعد الحسيني عضو الكتلة، مشيرًا إلى أن نواب الوطني استشهدوا بالآيات القرآنية، وبرَّروا أننا في حاجةٍ إلى قانون الطوارئ للحصول على الأمن، معتبرًا أن هذا الاستشهاد هو أكبر دليل على الفشل، وهنا قاطعه نواب الوطني بتوجيهٍ من كمال الشاذلي ومنعوه من استكمال كلمته، وهتف بعضهم "اقعد يا سعد.. اقعد يا سعد"، وهدَّد د. سرور برفع الجلسة إذا استمرت الأوضاع هكذا، وصاح نواب الإخوان في وجهه وقالوا: "ارفعها.. ارفعها"، واستمرت الأوضاع هكذا لعدة دقائق ثم عرض طلبًا موقَّعًا عليه من عشرين عضوًا لرفع الجلسة، ووافق المجلس على ذلك.
وكان من الملاحظ في الجلسة أن نواب الحزب الوطني وجَّهوا شتائم إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش كما لو كانت هناك تعليمات لهم بذلك، وهاجموا بشدة السياسات الأمريكية واعتبروها المتسببة في زيادة الإرهاب في المنطقة.
من جانبهم أصدر نواب الإخوان المسلمين والمستقلين والمعارضة بيانًا أكدوا فيه أن استمرار العمل بقانون الطوارئ يمثِّل خطورةً على ركائز الدولة المدنية.
نواب الإخوان احتجوا بشدة على مد قانون الطوارئ
وأكدوا أنه لا توجد حالة حرب ولا حالة تهديد بالحرب ولا حالات كوارث طبيعية حتى يتم تمديد العمل بالقانون، مشدِّدين على أنه في ظل حالة الطوارئ ضاعت كلُّ مصالح الشعب لصالح فئةٍ فاسدةٍ تحمي الفساد والمفسدين، كما أن الطوارئ تسبَّبت في الإطاحة بالعديد من الحقوق والحريات التي كفَلَها الدستور المصري والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان؛ حيث زادت انتهاكات حقوق الإنسان الممثَّلة في الاعتقالات العشوائية والأخرى الانتقامية، إضافةً إلى التعذيب المُمَنْهَج في الأقسام ومراكز الاحتجاز المختلفة، كما تسبَّبت الطوارئ في توفير مناخ طارد للاستثمار، فضلاً عن أن استمرار الطوارئ زاد من نِسَب جرائم المخدرات بكافة أنواعها وأشكالها.

وأوضح البيان ما خلَّفته حالة الطوارئ من تخلُّفٍ وجمودٍ في الحياة السياسية بالبلاد، وتوقُّفِ مؤسسات المجتمع المدني عن ممارسة أنشطتها؛ مما أدى إلى شللٍ كاملٍ في الحياة السياسية ووجود حالةٍ من الاحتقان السياسي تعاني منها كل قوى ومؤسسات المجتمع المدني بصورة غير مسبوقة، كان لها آثارُها السلبية السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المجتمع ككل.



