الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ والاه.
وبعدُ، فقد اقتضتْ حكمةُ العليمِ الحكيمِ أنْ يجعلَ عبادَه فريقين ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (الأعراف 30)، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (الشورى 8)، ولو شاءَ لَهَدَى الناسَ جميعًا، ولو شاءَ لانْتَصَر مِنَ المجرمين، ولَأَنْزلَ العذابَ بهم، ولو شاءَ لمنعَهم مما يفعلون، ولكنَّ حِكْمَتَه اقتضت التدافعَ لِيَمِيزَ الخبيثَ من الطَّيِّبِ، ومع ذلك فقد قضى سبحانه أن ينصُرَ الحقَّ وأصحابَه ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم 47)، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء 105)، إلى غير ذلك من الآياتِ القاطعةِ بأنَّ هذا التدافعَ مُفْضٍ لا مَحالةَ إلى نصرِ المؤمنين، وإلى خذْلانِ الضالين.
ومع هذا الوضوحِ فإنَّ المحنةَ قد تشتدُّ، ومدةَ التدافُعِ قد تطُول، حتى يأْمَنَ المجرمون أو بالأَحْرَى يتصوَّرون أنهم في مَأْمَنٍ، ويظهرَ المنافقون، و﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (البقرة 214)، وهنا يحتاجُ المؤمنُ أنْ يقفَ عندئذٍ ليراجِعَ صِدقَ إيمانِه ويقينِه بوعْدِ اللهِ الَّذي لا يتخلَّفُ، وهو ما أكَّده المؤمنون يومَ الأحزابِ ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب 22). وربما يخطُرُ ببالِ البعضِ السؤالُ عن كيفيةِ تحقيقِ وعدِ اللهِ بنصْرِ المؤمنين في الوقتِ الذي تؤكِّدُ كلُّ الأسابِ الماديةِ والسننِ الكونيةِ حصولَ الغَلَبَةِ والتَّمكينِ لخصومِهم، خصوصًا وأنَّ القُوَى الإقليميةَ والدوليةَ العالميةَ تقفُ إلى جانبِهم؟.
وهنا يبرزُ اسمُ الله (اللَّطِيف) ليجيبَ عن السؤالِ، ويُطَمْئِنَ قلبَ المؤمنِ إلى وعْدِ الله، ويملأَه باليقينِ بأنَّ فَرَجَ اللهِ آتٍ لا رَيْبَ فيه، وأنَّ بعدَ الضِّيق سَعَةً، وأنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وأنَّ ما وعد اللهُ به المؤمنين من النصر، وما وعد به المبتلين من العِوَضِ والإِخْلافِ لا بُدَّ أن يتحقَّق، مما يطردُ شَبَحَ اليأْسِ من القلب، ويُبَدِّدُ ظُلمةَ القلقِ من النفس، ويُضيءُ الصَّدْرَ بالأمل في الظَّفَر والثقة بالغد. وفي هذا يقول تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح 5-6) فلم يجعل سبحانه اليُسْرَ بعد العُسْر أو عَقِبَه، بل معه، وذلك ليُنَبِّهَ على أمرين:
الأول: قُرْبُ تحقق اليُسر بعد العسر مباشرةً، حتى كأنَّه معه أو متصل به.
الثاني: أنَّ مع العُسْر بالفعل يُسْرًا لا ريبَ فيه، قد يكون ظاهرًا ملموسًا، وقد يكون خَفِيًّا مكنونًا، وذلك ما يُسَمَّى (اللُّطْف)، ففي كلِّ قَدَرٍ لُطْفٌ، وفي كلِّ بلاءٍ نعمةٌ، وفي ذلك يقول ابنُ عطاء الله السكندري: «مَنْ ظَنَّ انْفِكَاكَ لُطْفِهِ عَنْ قَدَرِهِ فَذَلِكَ لِقُصُورِ نَظَرِه» ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
وقد لفَتَ نظري ما قاله يوسفُ عليه السلام تعليقًا على ما آل إليه أمرُه من العِزِّ والتمكينِ بعدَ طولِ البَلاءِ، حيثُ قال لأبيه ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف 100). فقوله ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ هو خلاصةُ الدروسِ المستفادةِ من قصة يوسف عليه السلام.
تعريف اللَّطِيف:
لنبدأ بتعريفِ (اللَّطِيف)، وذكرِ مواضعِ وُرُودِه في القرآن، ثم لنتبيَّنْ ما وراءَ هذا الاسمِ الكريمِ من الأسماءِ الحُسْنى.
اللُّطْفُ: خَفاء الْمَسْلَك ودِقَّةُ الْمَذْهبِ، واللَّطيفُ: هو الذي يصلُ إلى تمامِ غرضِه في خفاءٍ ورفقٍ، من حيث لا يشعُرُ به الآخرون ولا يَحْتَسِبون، كما في قوله تعالى ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدا﴾ (الكهف19).
واللَّطيفُ كذلك: المحيطُ بعِلْمِ دقائقِ الأشياءِ وغوامضِها وظواهرِها وبواطنِها، الذي يعلمُ ما غاب عن الآخرين من دقيقِ حقائقِها.
واللُّطْفُ أيضا: الرِّفْقُ والبِرُّ؛ يقال: أَلْطَفَهُ بكذا يعني: بَرَّه به، وأعطاه إيَّاه، ولَطَف به: أي رفق به، وعند البخاري من حديث عائشة حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا قالت: «وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّى لاَ أَرَى مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ» تعني الرِّقَّةَ والحنانَ والرِّفْقَ الذي اعتادته منه.
واللَّطيفُ: الذي يسلُكُ سبيلَ الرِّفْقِ في إيصالِ المصالحِ والنِّعَمِ إلى مُستحِقِّها، وذلك لتمامِ علمِه، فالخَفِيُّ مكشوفٌ في علمه سبحانه وتعالى كالجَلِيِّ، ولا فَرْق.
كما أنَّ اللُّطْفَ من الله تعالى: التوفيقُ والعِصْمة، فلا يملكُهما غيرُه، فهو الذي لَطُفَ علمُه حتى أدرك الخفايا، والخبايا، وما احتوتْ عليه الصدور، ولَطَفَ بأوليائِه، وأصفيائِه، فيسَّرهم لليُسْرَى وجنَّبهم العُسْرَى، وسهَّل لهم كلَّ طريقٍ يُوَصِّلُ إلى مَرْضاتِه وكرامتِه، وحفظهم من كل سببٍ ووسيلةٍ تُوَصِّلُ إلى سَخَطِه، من طُرُقٍ يشعرون بها، ومن طُرُقٍ لا يشعرون بها، وقدَّر عليهم أمورًا يكرهونها لِيُنِيلهم ما يُحبون، فلَطَفَ بهم في أنفسهم فأجْراهُم على عوائِدِه الجميلةِ، وصنائعِه الكريمة، ولَطَفَ لهم في أمورٍ خارجةٍ عنهم، لهم فيها كلُّ خيرٍ وصلاحٍ ونجاح.
آياتُ اللُّطْفِ فِي الْقُرْآن :
ورد اسمُ (اللَّطِيف) في سبع آياتٍ، اقترن في خمسٍ منها باسم (الخبير)، على النحو التالي:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام 103).
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (الحج 63).
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان 16).
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (الأحزاب 34)
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك 14)
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (الشورى 19)
ومعنى الخِبْرة بعد اللُّطْف: سَعة العِلْم، يعني: أن الله تبارك وتعالى بعد لُطفه ورِفقِه في معرفةِ الأشياءِ ودقائقِها؛ فإنه سبحانه خبيرٌ بها، مُطَّلِعٌ عليها، عارِفٌ بكل أحوالها. فمن علم أن اللهَ اللطيفَ خبيرٌ بأحوالِه كان محترِزًا في أقوالِه وأفعالِه، واثقًا أن ما قُدِّرَ له سوف يُدْرِكُه، فيرى جميعَ أنواعِ التدبيرِ واقعةً بإذنِ الله، فتهونُ عليه الأمورُ، ويركنُ إلي اللطيف الخبير.
وأما قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ فمعناه: لطيفُ التدبيرِ له، إذْ ما من صعبٍ إلا وتنفُذُ فيه مشيئتُه تعالى، إذ هو العالمُ بخفايا الأمورِ المدبِّرُ لها والمسهِّلُ لصِعابها، فإذا أراد شيئًا سهَّل أسبابَه، من حيث لا يشعر العبد ﴿إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ﴾ بوجوهِ المصالحِ والتدابيرِ ﴿الحَكِيمُ﴾ الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى مقتضي الحكمة.
منْ مواضِعِ اللُّطْفِ في قِصَّةِ يوسُف:
ظهرتْ في قصةِ يوسُف عليه السلامُ ألطافٌ كثيرةٌ نُشيرُ إلى عشرةٍ منها، على النحو التالي:
اللُّطْفُ الأوَّل: كَيْدُ إخوتِه له، وموافقةُ والدِه على ذهابِه معهم، رغمَ تَخَوُّفِه عليه. لقد جاء لُطْفُ الله تعالى على خلافِ ما يريدُ يعقوبُ عليه السَّلامُ، فجَعَل سبحانه وتعالى من الكَيْدِ لُطفًا، وهو ما يُعَلِّم المرءَ أنَّ قضاءَ الله كلَّه حَسَنٌ، وأنَّ ما يظنُّه شرًّا قد يكون هو الخيرُ من حيثُ لا يعلم.
تُرَى لو لم يَكِيدوا له كيْدًا، ولو رفض أبوه أنْ يخرجَ معهم، ولو لم يُلْقُوه في غياباتِ الجُبِّ، هل كان سيحدثُ ما حدث؟!
الثاني: أنه سبحانه وتعالى صَرَفهم عن أنْ يقتلوه عليه السلام أو أن يَطْرحوه أرضًا كما اقترحوا ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ (يوسف 8- 9)، وجعل قائلًا منهم يقول ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ (يوسف 10). وذلك لكي يَجِدَه هؤلاء السيَّارةُ، ويأخذوه ويبيعوه لعزيزِ مصرَ، فينشأَ في بيتِ العزيزِ؛ ليتحوَّلَ الحالُ ويرجعَ أبوه ويرجعَ إخوتُه ليسجدوا له بعد ذلك.
تُرى لو أُلْقِي في أرضٍ بعيدةٍ هل كانت ستتحقَّقُ هذه الأحداث؟! فكان إلقاؤُه إذًا في الجُبِّ لُطْفًا.
الثالث: أنه ساقَهُ سبحانه وتعالى إلى مصرَ؛ ليتحوَّلَ الْمُلْكُ له، ويَجِيئَه إخوتُه بعد ذلك في حالةٍ من الحاجةِ والمسْكنَةِ، فكان حمْلُ السيَّارةِ له إلى مصرَ لُطْفًا.
الرابع: أن يَشْتريَه العزيزُ وامرأتُه أمَلًا في أن ينفعَهما أو يتخذاه ولدًا، بعد أن حرَمهما اللهُ الولدَ، ليكونَ محلَّ الإكرامِ في القصر، لُطفًا من اللهِ تبارك وتعالى به.
الخامس: تعلُّقُ قلبِ امرأةِ العزيزٍ به، حتى راوَدَتْه عن نفسِه، ليكون مصيرُه أن يدخُلَ السجنَ، ثم يكونَ خروجُه منه بعد ذلك مُشَرِّفًا غايةَ التشريف.
ولو لم تُراوده امرأةُ العزيز عن نفسِه، لَبَقِيَ عبدًا في بيتِها إلى النهاية. وما تحقق أبدًا هذا الذي قد تحقق له إلا لَمَّا أُخِذَ إلى السجن.
السادس: أخذُه إلى السجنِ ظلمًا بعدَ أنْ تأكدتْ براءتُه. وقد كان يمكنُ أنْ يتمَّ التخلُّصُ منه بغيرِ السِّجْن، لولا أنَّ امرأةَ العزيزِ اقترحت السجنَ، أملًا في أن تنالَ منه بُغْيَتَها يومًا ما، فجاء لُطْفُ اللهِ تبارك وتعالى، إذ دخل معه السجنَ فتيانِ، وكان لكلٍّ منهما رُؤيا رآها، فعبَّرهما لهما، وصدَقَ تعبيرُه، فعُلِمَ حينئذٍ معرفتُه بالتَّعْبير، فلما احتاج الملِكُ إلى مُعَبِّرٍ ظهرتْ منزلتُه.
السابع: نسيانُ الناجي من الفتيين أنْ يذكرَ يوسفَ عند الملِكِ، حتى لا يكون خروجُه من السِّجْنِ مَكْرُمَةً من أحدٍ، وحتى تظهرَ براءتُه ومنزلتُه باعترافِ النِّسْوةِ إذْ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف 50-51) وذلك من لُطْف الله تعالى به.
الثامن: وقوعُه في قلبِ الملِكِ حتى قال ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ (يوسف 54)، وأجابه إلى طلبه ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (يوسف 55)، فمكَّن اللهُ له في الأرضِ، فلو لم يحصلْ ذلك من أين كانت تكون له تلك المكانة؟
التاسع: حاجةُ إخوانِه إلى الميرَة بسببِ المجاعةِ العامةِ جعلتْه يشترِطُ عليهم أن يأتوا بأخيهم من أبيهم، وأن يكيدَ له ليأخذَه عنده.
العاشر: عدمُ معرفةِ إخوتِه به حين جاؤوا إليه، مع شُيوعِ أمرِه واشتهارِ ذكرِه، وعدمُ التفاتِ المصريين لقصَّتِه مع شيوعِ أمرِ يعقوبَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ، واشتهارِ قصَّتِه في العالمين، حتى جَرَتِ الأحداثُ بين يوسُفَ وإخوتِه وهم لا يعلمون أنه أخوهم، حتى عرَّفهم في النهاية، بعد أنْ أدركوا عظيمَ لُطْفِ الله به، و﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (يوسف 90-91).
لو لم يكنْ كلُّ ذلك لَمَا كان يمكنُ أن يأتيَ يوسفُ عليه السلام بأهلِه إلى مصرَ في إعزازٍ وتكريم. فكلُّ هذه المعاني من أولها إلى آخرها فيها لطفُ الله تبارك وتعالى، فهو الذي قد أَبْدَعَها بتدبيرِه، حتى جمعه بأهلِه ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف 100).
وهذا يُعَلِّم المرءَ أنَّ اليُسْرَ كامِنٌ في العُسْرِ، ويُعَلِّمُه أنْ يَرضى بقضاءِ الله كله، وأن يُفوِّضَ ويُسَلِّمَ للهِ تعالى في اختيارِه، وأن يتَّهمَ عقلَه القاصرَ وفَهْمَه الكليلَ عند تقديرِ حكمةِ الله تعالى في الأشياءِ، وأنَّ وراءَ ذلك ما لا يعلمُه أو يصلُ إليه علمُه، فضلًا عنْ أنْ يُدرِكَ حكمتَه أو أنْ يُلِمَّ بعاقبتِه.
فاللُّطْفُ هو جَلْبُ الخيرِ جلبًا لطيفًا لا يعرفُه إلا أهلُ البصائر، وأما الجاهلُ باللهِ فلا يشعرُ باللُّطْفِ إلا إذا كان حسيًّا ظاهرًا جليًّا، وذلك لقصورِ نظرِه، حيث يكون باطنُ المقدورِ نعمةً وظاهِرُه نقمةً.
من الألطاف المتنوِّعة المُسهِّلة للبلاء:
الناظرُ في قصة يوسفَ عليه السلامُ يرى أنَّ ألوانَ الابتلاءِ والمحنِ التي مرَّ بها اقترنتْ بها ألطافٌ ظاهرةٌ، كانت بشاراتٍ تُرَطِّبُ حرارةَ المحنة، وتُطَمْئِنُ النفسَ، ومنها:
- رُؤيا يوسفَ السابقةُ; فإنَّ فيها رَوْحًا ولُطْفًا بيوسفَ ويعقوبَ، وبشارةً بالوصولِ إلى تأويلِها في يومٍ من الأيام.
- وحيُ الله إليه وهم يُلْقُونه في الجُبِّ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُون﴾ (يوسف 15).
- انتقالُه من الجُبِّ والرِّقِّ إلى العِزِّ والقَصْر، ثم انتقالُه من السجنِ إلى التحكُّم في خزائنِ الأرضِ، فإنَّ فيها ألْطافًا ظاهرةً وخفِيَّة.
- حُسْنُ ظنِّ يعقوبَ في الله، وعدمُ يأْسِه من رَوْحِ الله، وبَثُّه لهذا الأملِ في نفوسِ أبنائِه، مع تطاوُل المحنةِ وتقادُم العهدِ بيوسف.
- تعلُّقُ امرأةِ العزيزِ بيوسفَ مما جعلها تقترحُ سجنَه أو تعذيبَه، لا قتلَه، وتحرصُ على حياتِه أملًا في أن تنال بُغْيَتَها منه يومًا ما .
- حبُّ المساجين ليوسفَ، وإدراكُهم إحسانَه، ومَيْلُهم إليه، حتى إنه يمارس معهم دعوتَه.
- صَرْفُ العلمِ بتعبير الرؤيا عن كل المعبِّرين، مع شدةِ اهتمامِ وتعلُّقِ الملك بتفسيرها، مما جعله يستجيب لطلب يوسفَ بالتحقيقِ في مظلوميَّتِه، حتى تظهر براءتُه ونقاءُ صفحتِه للعالمين.
- كِبَرُ نفس يوسفَ التي لا تسعَى للانتقامِ ولا تُفَكِّرُ في القصاصِ، ولا يدفعُها وَجَعُ المحنةِ وطُولُ الشدَّةِ إلى التغيُّر، حتى إنه لا يُذَكِّرُ إخوتَه عند التقاء الأهل بما فعلوه، فيذكر الخروجَ من السجنِ ولا يذكر الخروجَ من الجُبِّ حتى لا يُخْجِلهم، ولا شكَّ أنَّ أصحابَ النفوسِ الكبيرةِ أكثرَ احتمالًا للبلاءِ وصبرًا على الأذى.
فسُبْحَانَ مَن وَسِعَ العِبَادَ بِعَدْلِهِ في حُكْمِهِ، وبِعَفْوِهِ وَبِعَطْفِهِ وَبِلُطْفِهِ وبِحِلْمِهِ، وجميعُ ما هُوَ كائِنٌ يَجْرِي بِسَابِقِ عِلْمِهِ.
إنَّ هذه المعانيَ المستفادةَ من قصةِ يُوسفَ لَتُؤكِّدُ للثوارِ الأحرارِ أنَّ مقاومتَهم الرائعةَ المبدِعةَ المستمِرَّةَ للانقلابِ الدمويِّ الفاشيِّ بالغةٌ بإذنِ الله غايتَها ومحقِّقةٌ أهدافَها في تحقيقِ الحريةِ والكرامةِ الإنسانيةِ والعدالةِ الاجتماعيةِ للشعبِ المصريِّ الكريم، وأنَّ هذا الفشلَ المتلاحِقَ للانقلابِ مُفْضٍ لا محالةَ إلى اندحارِه واندثارِه وسقوطِه القريبِ تحتَ الضرباتِ السلميَّةِ المبدِعةِ والموجِعَةِ لقُوَى الثورةِ الحيَّةِ، وما علينا إلا الاستمساكُ بحبلِ الله تعالى، والتوحُّد على الأهدافِ المشتركةِ، والأخذُ بالأسبابِ، والاستمرارُ في الحشدِ الثوريِّ، وانتظارُ ساعةِ النصرِ، وما هي من الثوار الأحرار ببعيد.
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ أَنْتَ الْمُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ
اجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً والْطُفْ بِنَا يَا مَنْ إِلَيْهِ المَرْجِعُ
اللَّهُمَّ إِنَّ الخَلائِقَ إلى لُطْفِكَ مُحْتاجةٌ، والرَّجاءَ فيك قَوِيٌّ، والظُّنُونَ بكَ جميلَةٌ، فتَمِّمْ ما سَلَفَ مِنْك إِلَيْنا، واعْطِفْ بِجُودِكَ الفَيَّاضِ عَلَيْنا، فلا رغْبَةَ إلَّا ما نِيطَ بك، ولا سالِمَ إلَّا ما أحاطَ بِهِ لُطْفُكَ، فأَدْرِكْنَا بِلُطْفِكَ، وامْنَحْنَا تَوْفِيقَكَ، واكْتُبْ لَنَا رِضَاك، والْطُفْ بِعبادِك المُؤْمِنين فِي تَيْسِيرِ كُلِّ عَسِيرٍ، فَإِنَّ تَيْسِيرَ الْعَسِيرِ عَلَيْكَ يَسِيرٌ، واجْعَلِ الخُلْفَ فِي صفُوفِ الظَّالِمين وأَعْدَاءِ الدِّين، واقْذِفِ الرُّعْبَ في قُلُوبِ الانقِلابِيِّين الآثِمِين.
يَا مَنْ عَوَّدْتَ اللُّطْفَ أَعِدْ عَادَاتِكَ باللُّطْفِ البَهِجِ
وأغْلِق ذَا الضِّيقَ وشدَّتَهُ وافْتَحْ ما سُدَّ مِنَ الفُرَجِ
والأمْــــــرُ إِليْكَ تُدَبّــــرُهُ فَأَغِثْنَا باللُّطف البَهِجِ
وصلَّى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِه وسلَّم.