كثيرًا ما نسمع أن الجامعة للدراسة والعلم فقط، ولكن مجرد النظر إلى المكتبات الجامعية (ينسف) تمامًا هذه المقولةَ، وتقول الأرقام إن الكافتيريات داخل أسوار الجامعات المصرية تحقق مكاسبَ خياليةً، وتكون مزدحمةً عادة على العكس من المكتبات التي لا يرتادها غالبًا إلا طلاب الدراسات العليا، وأصبح من المعتاد انصراف طلاب الجامعة المصرية عن المكتبات مفضلين عليها الجلوس على الكافتيريات أو (التسكع) في طرقات الجامعة، مما جعل سوق الكافتيريا رائجًا داخل الجامعة، واتجه الكثير من أصحاب المشروعات لاستئجار الكافتيريات الموجودة بالجامعات وبأي ثمن؛ لأنهم أصبحوا واثقين مما ستدره عليهم من مكاسبَ طائلةٍ.
فرغم ارتفاع الإيجارات الشهرية لتلك الكافتيريات والتي تصل30 ألف جنيه كحد أدنى، إلا أن مكاسبها تزداد يومًا بعد يوم بسبب زيادةِ نسبةِ المقبلين عليها.
وهذا ما دفع عددًا من الطلاب لمنافسةِ التجارِ الكبار وخوض المغامرة التجارية ومزاحمتهم في المزادات العلنية للفوز بعدد من الكافتيريات الجامعية والعمل بها بجانب الدراسة أو إعطائها لأحد أقربائهم لتشغيلها، وهكذا يضمن عمله بعد التخرج من الجامعة.
فقد تمكَّنت الكافتيريا من جذب آلاف الطلاب من خلال (المشاريب) والألعاب الترفيهية والأماكن الموسيقية الهادئة لدرجةٍ شجَّعت شباب الجامعة لمطالبة أصحاب الكافتيريات بتوفير قاعات مخصصة لتدخين الشيشة طالما أن جوَّ الحرية متاحٌ بالكافتيريات الجامعية دون رقيب أو حسيب.
ومن خلال جولتنا داخل أسوار الجامعات المصرية.. نجد أن ساحتها تحولت إلى منتديات للكافتيريات.. يتقابل بداخلها (شلة الأنس والفرفشة) من الزملاء والأصدقاء بعيدًا عن المحاضرات.
كاملة العدد
كريم خطاب (الطالب بكلية التجارة- جامعة حلوان، وصاحب كافتيريا يصل إيجارها الشهري إلى 30 ألف جنيه) يؤكد ضيقه من تخصيصِ يوم إجازة إضافي إلى جانب يوم الجمعة، ويرى أن هذا يضيع مكسبًا كبيرًا كان من الممكن أن تحصل عليه الكافتيريا، ويقول: إن زيادة إقبال الطلاب على الكافتيريات أدى إلى ارتفاع تكلفةِ الإيجار اليومي من ألف جنيه إلى 1200 جنيه، هذا فضلاً عن مرتبات العاملين بالكافتيريا.
ويضيف أن تكاليف إيجار الكافتيريا يدخل فيها الكهرباء والغاز والضرئب، مشيرًا إلى سعادته بالاستمرار في منافسةِ التجار الكبار في هذا الموقع المخصص بداخل جامعة حلوان.
ويقول زميله مصطفى محمد: إن بعض الكافتيريات لجأت لوسيلةٍ مُغَالَى فيها في تحديد أسعار المأكولات والمشروبات بفرض 10% خدمة على كل مشروب أو وجبة؛ لتغطية ارتفاع الإيجار ومصاريف الكافتيريا، وكذلك لزيادة المقبلين عليها.
وأوضح أنه في حالة طلب 4 نوعيات مختلفة من المنتجات يتم فرض 40% ضريبة خدمة عليهم، وليس 10%، وذلك لتعويض التكاليف الخاصة بالإيجار، خاصةً بعد تحديد يوم إضافي لإجازة الجمعة بشكل يستدعي أصحاب الكافتيريات إلى محاولة التعويض لمواجهة النفقات الملتزمين بها.
أسعار خاصة للزبائن
ويقول الطالب إبراهيم علي- كلية الأداب جامعة عين شمس- إن هناك كافتيريات داخل الجامعة قامت ببناء دور ثانٍ علوي لتسع هذا العدد الهائل من زبائن طلبة الجامعة، وبالطبع فالدور الثاني تم تشطيبه على أحدث طراز، وتتوافر به كافة سبل الراحة والرفاهية، ومن ثَمَّ فسعر الجلوس به يختلف عن الدور الأرضي.. حيث إن أسعار الأدوار العلوية للكافتيريات مميزة للغاية، وأكثر ارتفاعًا عن أسعار قائمة المأكولات والمشروبات المطروحة بالأدوار الأرضية؛ نظرًا لاهتمام هذه الكافتيريات بإعداد جلسات خاصة لجذب الرواد من الطلبة والطالبات، مشيرًا إلى أن الحد الأدنى (للساندوتش) بهذه الكافتيريات يصل إلى 425 قرشًا، في حين تتراوح أسعار المشروبات والعصائر بين 375 قرشًا للعصائر الطبيعية.. بينما يتم طرح (الشاي الساخن) بسعر جنيه.. مقابل 250 قرشًا (للكابتشينو).
المكتبة فقدت بريقها
ومع ذلك فإن الكثير من الطلاب داخل الجامعات المصرية يفضلون التردد على الكافتيريات بعيدًا عن (خنقة) الروتين داخل قاعات الأنشطة، ونظرًا لتوافر جوّ "الحرية"- كما يقولون- بهذه الكافتيريات؛ حيث يمكن للطلاب التواجد بداخلها حتى وقت متأخر من الليل.. بينما ينبغي على الطلبةِ الملتزمين بالمحاضرات الانصراف في الرابعة عصرًا من داخل أسوار الجامعة حتى يستطيعوا المجيء في الصباح الباكر لحضور محاضرات اليوم التالي!!
وفي المقابل نجد أن مكتبات الاطلاع داخل الكليات والجامعات فقدت بريقَها؛ حيث لا يقبل عليها أحد للقراءة والتثقف مثل ما كانت في الماضي.. فمجرد الذهاب إلى أي مكتبة جامعية يجعلك تتأكد من أنها تكاد تكون خاويةً.. تظل المقاعد متراصةً في أماكنها التي وضعت فيها من شهور، وكذلك الكتب يتراكم عليها التراب في الرف الذي رُصَّت عليه منذ أن جيء بها إلى هذا المكان الذي أصبح مهجورًا!!
ويقول محمد السيد- أحد العاملين بمكتبة جامعة القاهرة العامة- إنهم بالمكتبة يكادون أن يمضوا يومَهم بدون أن يروا طلبة من الجامعة يأتون للمكتبة من أجل الاطلاع والثقافة كما كان في الماضي.
ويضيف: إن الطلبة غلبت عليهم هذه الأيام سمةُ التساهل في كل شيء حتى في الثقافة التي هي بناءٌ للعقل والوجدان، موضحًا أن عدد المقبلين على المكتبة أصبح قليلاً لحد الندرة، مشيرًا إلى أنه حتى الذين يقبلون على المكتبة لا يأتون للاطلاع، بل في الغالب يكونون مكلفين بأبحاث يعدونها، ولذلك يلجأون إلى مراجع المكتبة.
وأكد أن مَن يقبلون على المكتبة أغلبهم من طلبة الدراسات العليا، وليسوا من طلبة الدراسة الأساسية بالكليات الذين تحوَّلت اهتماماتُهم بحيث أصبحت المكتبةُ غيرَ جاذبةٍ لهم وفقدت بريقَها في عيونهم.