بسم الله الرحمن الرحيم (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)  (المطففين: 1 ، 2 ، 3).
1- مغادرة العدل

ازدحمت ساحانتا بالمطففين، فرانت على الصدور رغائب الكسب على حساب الحقيقة، وتبرجت كثير من القامات الإعلامية والسياسية والثقافية بحروف التطفيف؛ مبتغية من وراء ذلك استيفاء الوزن كاملاً بأية وسيلة؛ إما عن طريق تملق جهات معينة ذوات نفوذ وفعل، وإما عن طريق ظهور يمتطي عربة تزوير الحقائق، واختلاق الزيف والإرجاف بطرق وأساليب كتابية؛ مجافية للأخلاق معادية للمروءة ضالعة في ابتزاز الحروف الضالة المضلة، مدعية العلم والمعرفة والبحثية، في حين أنها متخمة بالأفكار المنمطة والمعلبة في (سلوفان) الشذوذ الفكري، على طريقة (خالف تعرف)، التي قدم بها (سلمان رشدي) نفسه للمجتمع الغربي، المهيأ لاستقبال كل ما يدين الإسلام وحركاته بل وسكناته أيضاً، ابتغاء الفتنة، وابتغاء صنع قامة له تبرزه وهو الغَمْرة المغمور المأفون!!..

إنه زمن افترق فيه الكثيرون عن العدل ومنهجه القرآني الشامل، والكثير من هؤلاء أصحاب الكلم، ترجلت هممهم عن صهوة العدل في الأقوال وأتبعوها بالترجل في الأفعال؛ ومنهم من تنكر لما كان بين يديه من ميراث كان الأولى به أن ينافح عنه؛ إذ إن السوق حامية، تقدم العروض المزجاة لمن تلجلج القلم بين أنامله، وأكل الحرص على دنياه ضميره وتضاريس قلبه ومسام عقله، وبذلك كله غاب الصدق عن الكلمات، وأترعت المعاني بالعري المجنون، التائه بين فتات الموائد، وتقدمت الخطوات والنظرات والتوجهات حثيثاً نحو كل المعروض في (البازار)، إلا أن يكون (العدل) ومنهجه القرآني الشامل، وبذلك وقع هؤلاء الكثر تحت وطأة الوصف القرآني البليغ: (ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنونهم يخسرون). ومن هؤلاء الجابري وأركون والطرابيشي والقمني وأدونيس، وكثيرون ممن كانوا صدرً لهؤلاء في المشرق والمغرب. إنهم طلاب كيل وافٍ عندما يكون الأمر متعلقاً بأنانياتهم، لكنهم أهل ظلم، إذا كان الكيل متعلقاً بالغير، ولو كان هذا الغير هو من أوجد لهم أصلاً فسحة من المكان والزمان على أرض الواقع، فلما لم يسعهم ذلك المكان، ولا ذلك الزمان، وانتفخت أوداج قاماتهم وإن كانت قاماتهم تلك لا تستحق الوزن الذي يريدون، وجدتهم ميممين للتسوق من البازار الساخن، حاملين احتضار مروءتهم على أكتافهم، عارضين في السوق ما يظنونه استنهاض الحلم الوحشي، الذي يسكن قتامة أفئدتهم؛ حيث ظلت النَّكتة بعد النَّكتة تختم على صفحات قلوبهم، حتى جعلتها مظلمة كالظلم.


2- العدل في الكلمات
إن العدل القرآني منهج تربوي شامل لكل مناحي الحياة، وليس مقتصراً على القضاء والحكم، وإن من مجالي العدل الشامل في التربية القرآنية، ذلك الذي يسكن في الكلمات، سواء درجت تلك الكلمات على اللسان أو كانت مخطوطة في القراطيس والكتب: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) (النحل: 90)... (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (المائدة: 8)... (قل أمر ربي بالقسط) (الأعراف: 28)...(وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) (الأنعام: 152)... (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) (الحج: 24)... (فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً) (النساء: 9). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) رواه أحمد في مسنده. كما قال عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم: (أفرى الفِرى أن يُرِيَ الرجلُ عينيه ما لم تريا) رواه البخاري. إنها كلمات ربانية، تشقق عن عدل لا مثيل له في أي منهج؛ فالإنسان في منهج القرآن التربوي مسؤول عن العدل في الكلمة يقولها، يراقب خروجها ووقعها وما لها وعدالة حروفها ووضع المتلقي لها، ثم هي في أي ميزان من موازين العدل تقع. أما أن يكون العبد ممن يقول القولة لا يلقي لها بالاً فتهوي به في جهنم سبعين خريفاً، فهذا والله ديدن من وصفناهم بأنهم قد ترجلت هممهم عن صهوة العدل، وجازوا إلى الظلم والظلامية، وافتتنوا بمعروضات السوق المزجاة، من أفكار غريبة ومن إغراءات بصنع قامات وشهرة، أو انبهار بأشعة الأخضر والأصفر الرنان.

لقد غادر هؤلاء بذلك المنهج صيغة العدل الرباني في الكلمات المأخوذة من آيات الله العظيمة، التي جاء في إحداها: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)؛ فهم به يشتمون أنفسهم أول ما يشتمون، وينتهكون حرمة الحرية التي أنعم الله بها على الإنسان، ويدخلون كياناتهم في زنازين النفاق والجهالة، ويكونون كالممثل الذي وصف حاله الشاعر بقوله:

أتقلب فيكم.. وفي الآخرين
ولي معكم كل حين مصير
رائع هذا التقلب ما بين دور وآخر
وثمة مهما تطاول عرض أخير

إن هؤلاء ينكأون جرح الأيام بفضول الكلام، وعبث الحروف المتقيحة، وهم ينكصون عن الحقيقة معبئين بتزيين الزيف، والخداع النفسي المخاتل، ولا يذكرون ساعة يتكلمون آية أو حديثاً، بل يغمرهم حب الانتقام من الصفوف التي تصوروا أنها لا تتسع لحجمهم، الذي عملقوه في دواخلهم بلا مسوغات ولا كفاءات، إنها خيالات مدفونة في قلوب واجفة راعدة؛ إذ إن يقينها غائب، فتنسيها الرغبة في الحضور غير الموضوعي أن الأولى لهم الالتقاء مع أهل القول السديد الطيب، أفلا يتدبرون المنهج القرآني، فيعودون بعد الارتكاس إلى مأمنهم: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (آل عمران: 35).

قال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم) (الإسراء: 53).


الاعوجاج الأحمق

(... البداية من حرف الياء ليست ممكنة).

(ولم يعد ممكناً لأحد أن يبدأ من صفر الخليقة... لهذا ما من أحد أشد حمقاً من ذلك الذي يظن نفسه أول من غنى أو أول من عزف) خيري منصور (القدس العربي 928 / 2004 من مقال عنوانه غبار بلا طلع).

هذا التعليق من الكاتب المجيد ينبئك بأن العديد ممن يعدّون أنفسهم من النخب والمثقفين قد توهموا لأنفسهم قامات لا يستحقونها، وذلك حين ظنوا أنهم السباقون لفض خاتم الكلام، وأنهم وحدهم الذين يضيئون الطرق للناس بكلماتهم الشاردة التي لا يهضمها التاريخ ولا تستوعبها الجغرافيا، ولا تظن أحوال مجتمعاتنا وسياقاتها بها خيراً، فهي القاصية المأكولة المنفصلة عن الأصول والنقول والعقول والمنطق، الموظفة لآليات مستوردة غريبة؛ فهي إما تعتمد تاريخية النص، أو أنها تزن النص والنقل بميزان خاسر هو ميزان الحداثة، بحيث تجعل من هذه الحداثة - التي لا يثبت لها قرار، ولا تهتدي إلى تعريف أو أساس - المعيار الذي تُحاكم في محكمته النقول، وتقف أمام قضاته النصوص، وليس العكس كما هو الرأي السديد الرشيد. إن كلمات هؤلاء وتوجهاتهم ظالمة مطففة هاربة من العدل والكلمة السواء، التي تمارس الإصلاح والتحديث، ولكن دون انبتات ولا انقطاع ولا هروب من النص والتاريخ والأصول، ولقد تكاثر هؤلاء تكاثر الذباب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول "سبتمبر" 2001، فغزوا الأسواق الخاوية للأمة، بعد أن زجوا بأنفسهم في معمعة تدندن أبداً حول (الآخر) وكيفية التعامل معه، وكأن هذه القضية هي أساس الوجود وعلامة السؤدد والعروج، مع أن هذا الآخر لم يحاورنا يوماً من الأيام إلا بالكبر وعدم الاعتراف، وبالسيف والبندقية في غالب الأحوال..!! مستدبرين بهذا الزج قول ربنا جل وعلا العليم بمن خلق وبما يصلح لنا: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم) والشيطان هنا هو تدوير الكلام، وإخفاء النيات خلف الكلام المنمق، أو خلف اللافتات المغرية، أما الأحسن فهو الإتباع المتجدد القائم فوق الأصول، الممتطي صهوة الإبداع في الوسائل والآليات والكيفيات، التي تستوعب "الآن" ومستجداته وضروراته وأحواله وظروفه، وحصر الاختلاف المحمود في صور التجديد والاستيعاب للنص وإنزاله على مقتضيات العصر دون أية محاولة للاحتيال أو الالتفات المؤديين لنبذه والخروج عليه.


نماذج

أ) - كلما حدث في صف من صفوف الإخوان اختلاف على قضية أو رأي أو حتى استراتيجية، سارع البعض ممن ظنوا أن قاماتهم أوسع وأعلى من أن تستوعبها الساحات الإخوانية ليبشروا الناس تشفياً بأن ذلك الاختلاف هو النهاية، وأن الحركية الإخوانية اهتزت أو شاخت أو فقدت عذريتها التي كانت تجذب الشباب بفتح أبواب الجنة، فلم تعد الآن تحمل عامل الجذب هذا، وأصبح خطابها سياسياً لا روح ولا ريحان، مع أن هؤلاء هم الذين أرادوها سياسية غير متماسكة. لقد كان التطفيف في مسيرة هؤلاء واضحاً، عندما ذهب بعضهم إلى أن الحركة الإسلامية تسير إلى التفسخ والانحسار والانقراض؛ بسبب أن هؤلاء البعض قد انشقوا عنها، وأصبحوا بقدرة قادر يُنَظِّرُون للاختلاط في التعليم، في حين أن أرباب هذه الفكرة هم الآن في حالة مراجعة لها واسعة في أمريكا وفرنسا وأوروبا؛ لأنهم رأوا بأم أعينهم ومن خلال الدراسات الميدانية والإحصائيات الدقيقة كيف أنها ذهبت بهم إلى عكس ما أرادوا؛ إذ وسمت الأجيال المختلطة بالتحصيل الضعيف، وبسوء الإدارة، فضلاً عن السوءات الأخلاقية والجنسية وتدهور الأحوال النفسية لطلاب ومعلمي الاختلاط، بالقياس مع ما حدث في المدارس غير المختلطة من تحسن نسبي في التحصيل وابتعاد عن كل تلك السوءات الأخلاقية... (انظر وتدبر وتعرّف على التطفيف).

ب) - وأما النموذج الآخر من نماذج التطفيف الذي يتمسك به بعض من هؤلاء الذين يظنون بأنهم يمثلون قامات ليس لما تقوله أية سابقات... هو النموذج الذي يلح علينا ليلاً ونهاراً كي نكون تابعين لصورة العيش الغربية، هذا إن كنا نبتغي اللحاق بالعصر ومنطقه، وفي هذا من التطفيف وبخس حياتنا وطريقة عيشنا ما فيه، في حين أن صحفية أمريكية لامعة تقول بعد زيارتها للمملكة العربية السعودية بلا تطفيف ولا بخس: (إن لديكم (العرب) أشياء كثيرة تجعلكم تشعرون بالفخر، ولكن أدبكم الجم ورقتكم سمحت للغرب بأن يطأكم بقدميه، وأن يصفكم بأنكم مصدر تهديد للديموقراطية وللعالم! إنكم أمة عزيزة ولذلك فعليكم أن تترجموا مشاعر الاعتزاز والفخر ببلدكم من خلال العمل وليس من خلال المشاعر وحسب. عليكم أن تشرحوا للعالم كيف أنكم تحترمون النساء، وكيف أنكم تمنحون الأسرة الأولوية في الاهتمام، وكيف أن بلادكم خالية نسبيا ًمن الجريمة. عليكم أن تخرجوا عن صمتكم، وأن تتساءلوا: كيف أن للولايات المتحدة الدولة (الرائدة) في الجريمة وفي الاغتصاب وفي العنف المحلي أن تجرؤ على اتهامكم بانتهاك حقوق الإنسان! عليكم أن تبينوا للعالم أن الكثير من الراهبات والقساوسة والمستوطنين اليهود والحاخامات والكاثوليك يغطون رؤوسهم ولكن تغطية المرأة عندكم لرأسها يعتبر مظهراً من مظاهر الظلم للمرأة...؟!) الصحفية الأمريكية تانياسي هسو نقلاً عن جريدة السبيل الأردنية 21/ 10 / 2009م.
والمفارقة هنا أنها تقول: (ولقد أضفت لحجابي في الرياض البرقع، وأدركت لأول مرة في حياتي أن الرجال يتحدثون إليّ مباشرة بكل احترام وتقدير دون أن يكون لجسدي كامرأة أثر في ذلك التقدير!) بينما العديد من النساء والرجال عندنا ممن هم في زمرة المطففين، يكيلون للحجاب كل سباب وشتائم، ويصمونه بأنه يظلم المرأة ويذهب بشخصيتها، وذلك تقيلداً لما قاله (ساركوزي ) وغيره من الغربيين الذين يفهمون لهذه اللبسة المحتشمة معنىً واحداً هو أنها تبعد لحوم النساء وأجسادهن عن أبصارهم وعن تناول غرائزهم الحيوانية الجشعة. رباه.. إنه للتطفيف وبخس الناس أشياءهم، يقبل عليهما هؤلاء، مكبلين بحبائل الشياطين، تؤزهم أزاً إلى مستنقعات البوار الأخلاقي والإنساني، وأختم بقوله تعالى جل من قائل: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً * وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً) (الفرقان: 30 / 31).