أتصور أن ميدان عمل الواعظ غير ميدان عمل الداعية؛ فالواعظ يرشد الناس إلى الإيمان بأصول الدين وعقائده، والتمسك بآداب الإسلام، والعمل بأحكامه، وشرح وتفسير آيات الكتاب والسنة المطهرة.

أما الداعية فإنه يحاول أن يضع أيدى المؤمنين على أهداف الإسلام وغاياته، ورسالته العالمية الإصلاحية لإنقاذ البشرية، وتحريرها من العبودية لغير الله تعالى، والنهوض بالشعوب الإسلامية لتحقيق أهداف الإسلام العليا: من التوحيد، والوحدة، والحرية، والعدل، والتكافل، والأخذ بأيدى المسلمين إلى التربية الإسلامية، فى الأخلاق والسلوك والمعاملات، حتى يتكون الفرد المسلم، والمجتمع المسلم.

إن عملية الوعظ أضيق مساحة من دائرة الدعوة، فمنهج الواعظ يتجه نحو الجمهور، أما مهمة الداعية فهى أن يستخلص الفرد الإيجابى من المجموع، يستخلصه للفهم الصحيح، والإيمان العميق، والعمل المنتج، والتدريب العملى على صراط الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والصبر الجميل.

فميدان عمل الداعية أوسع من ميدان الواعظ، فالواعظ يقول ويمضى، ولكن الداعية كالمدرس فى المدرسة؟ يشرح، ويوضح، وفى ذهنه أنه بعد ذلك سيكون امتحان للطلاب، يترتب على هذا الامتحان " تقدير" للمدرس آخر العام، يترتب عليه ترقيته من عدمه، فهو لهذا يتحتم عليه أن يجتهد بصدق وقوة فى أن تكون المحصلة لصالحه، ولهذا ترى الداعية يعايش الناس، ويشاركهم فى أفراحهم وأحزانهم، ويساعد فقيرهم، ويأسى لمريضهم، ويطبق موجبات الدعوة الإسلامية على نفسه، حتى يكون مثالا يحتذى به فى مظهره وسلوكه وأخلاقه، ومثل هذا الداعية تراه محببا إلى الناس، والناس من حوله تدعمه وتؤيده، وتسترشد به فى كثير من شئونها، وهو كذلك يدرك رسالته فى معالجة شئون هذا المجتمع، فنراه يبتعد فى أحاديثه وخطبه ومحاضراته عن تجريح الناس والهيئات، والسخرية مما يحبونه من عادات جاهلية، بل الداعية الحصيف هو ذلك الذى لديه إلمام بعادات وتقاليد وظروف المجتمع الذى ينزل فيه.

فإذا نزل الداعية فى أى بلد، فإنه يدرك أولا أن مهمته أن يجمع قلوب الناس، فلا تبدو منه كلمة أو عبارة منفرة، أو تثير الضغائن، أو تفتح بابا يتسرب منه شيطان الإنس!. والواعظ فى الأصل داعية والداعية والواعظ يجمعهما هدف واحد هو خدمة الإسلام.

سئل الإمام حسن البنا ذات مرة، فى إحدى ليالى "حديث الثلاثاء" بالقاهرة: ما الفرق بين جماعة "أنصار السنة" وجماعة "الإخوان المسلمون"؟، فردّ "البنا" على هذا السؤال بسرعة قائلا: جماعة "أنصار السنة" مدرسة إعدادية، وجماعة "الإخوان" مدرسة ابتدائية!.
وكان لهذا الرد أحسن الأثر فى نفوس إخواننا "أنصار السنة"، كما كان "حسن البنا" يصلى القيام فى شهر رمضان المبارك، بالمركز العام للإخوان المسلمين مأموما بأحد إخواننا علماء "الجمعية الشرعية الإسلامية"، فضلا عن أن جمعا كبيرا من أبناء مصر، من مختلف الجمعيات والأحزاب، بل وأيضا من الأقباط يحضرون هذا الحديث "حديث الثلاثاء" الجامع الشامل.

إن رسالة "الإخوان المسلمون" للبناء والتشييد، وليست للهدم والتجريح، ولا يجمع هذه الأمة على قلب رجل واحد إلا هدف عظيم، وغاية شريفة، تتوحد عليها القلوب، وتتآلف بها الأرواح، وتشتعل بها المشاعر، بقوة الإرادة، وقوة الحب، وقوة الدفع: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم) فصلت: 34. بكل هذه القوى الروحية الهائلة؟ لا يستعصى الإنسان على القرب والملاينة، ولا عجب أن يكون فى الوحوش المفترسة المخيفة ما يأتلف مع الإنسان فى صداقة، وتعيش أحيانا مع البشر كما نرى فى بعض الأفلام السينمائية من ترويض للأسود والنمور، وحتى الثعابين التى ترقص على صوت الناى، ويجلس بها أصحابها فى الشوارع وأمام الفنادق، رغم أن الثعابين لا تسمع لأنهاء صماء.

لقد منح الله تعالى الإنسان قوى مختلفة، أعظمها: قدرته على بعث روح الحب والمودة.
------
من كتاب "الطريق إلى القلوب" للداعية عباس السيسي