شهدت تركيا في يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر يوليو/تموز الجاري حدثا فريدا وفتحا مجيدا بافتتاح  مسجد آيا صوفيا ليذكر فيه اسم الله مختصرا بذلك الزمان والمكان، حيث قامت "المحكمة الإدارية العليا" في تركيا، بإلغاء قرار مجلس الوزراء لعام 1934م، القاضي بتحويل آيا صوفيا من مسجد إلى متحف. وبموجب القرار الصادر عن المحكمة عادت آيا صوفيا مسجدا بعد 86 عاما، وتم تنفيذ سند الوقف الذي أسسه السلطان العثماني محمد الفاتح، بعد فتحه إسطنبول عام 1453م.

لقد جاء فتح مسجد آيا صوفيا ليمثل فتحا ثانيا لإسطنبول بعد الفتح الأول الذي بشر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ"، فما زال تاريخنا المجيد يذكر بذلك الحصار الطويل للسلطان محمد الفاتح  للقسطنطينية، وابتكاره التقني الذي لم يصل إليه غيره  بتسيير سفنه على اليابسة، ليمكنه الله تعالى من دخول مدينة القسطنطينية فاتحا في 29 مايو /أيار 1453م، ويتوجه مباشرة إلى آيا صوفيا غارسا رايته كرمز للفتح في المكان الذي يوجد فيه المحراب، راميا سهما باتجاه القبة، صادحا بأول أذان داخله، ثم ينتقل بعد ذلك إلى أحد زوايا آيا صوفيا فيسجد سجدة شكر ثم يصلي ركعتين، وبذل جهدا كبيرا خلال ثلاثة أيام من فتحه للمدينة ليقيم أول صلاة جمعة فيها مصحوبة بالتكبير والتهليل، وخطب بنفسه الجمعة، وصلى شيخه "آق شمس الدين" صلاة الجماعة.

وقد جاء الفتح الثاني لإسطنبول بفتح مسجد آيا صوفيا فاضحا وكاشفا لعورات الصليبيين والصهاينة وأعوانهم من العرب الذين امتدت سهامهم بالنقد فنكس العلم اليوناني ودقت أجراس الكنائس وتوالت التصريحات من بابا الفاتيكان وغيره ضيقا وكمدا لهذا الفتح. وانتشر علماء السلاطين حتى وصل ببعضهم إلى تحريم الصلاة في آيا صوفيا رغم أنها كانت متحفا بعد أن ظلت مسجدا 481 عاما، ووصل التدليس الفقهي بهم إلى الاستدلال بما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- من عدم الصلاة بكنيسة القيامة بالقدس بعد فتحها، مع الفارق بين الأمرين فالقدس فتحت صلحا والقسطنطينية فتحت عنوة وأحكام الحروب معروفة ومعلومة . كما أن هؤلاء لم يتحرك لهم جفن لمساجد الأندلس واليونان والاحتلال الصهيوني وغيرها التي باتت كنائس وحظائر للماشية ومراتع للملاهي والقمار.

إن التاريخ يسطر أن آيا صوفيا شيدت في القرن السادس خلال فترة الإمبراطورية البيزنطية، وكانت مقرًّا للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. ثم تمّ تحويلها إلى مسجد بعد فتح إسطنبول على يد السلطان محمد الفاتح، وكان ذلك نتيجة طبيعية لحصوله على لقب الإمبراطور الروماني، وبالتالي ملكيته للعقارات المسجلة باسم الأسرة البيزنطية، وفقا للقانون السائد وقتها، ومن ثم تم تسجيل آيا صوفيا باسم محمد الفاتح والوقف الذي أسسه. وفي هذا يقول السلطان محمد الفاتح، في واحدة من مئات صفحاته الوقفية التي يرجع تاريخها إلى 1 يونيو/ حزيران 1453، ما يلي: "أي شخص قام بتغيير هذه الوقفية التي حولت آيا صوفيا إلى مسجد، أو قام بتبديل إحدى موادها، أو ألغاها أو حتى قام بتعديها، أو سعى لوقف العمل بحكم الوقف الخاص بالمسجد من خلال أي مؤامرة أو تأويل فاسق أو فاسد، أو غير أصله، واعترض على تفريعاته، أو ساعد وأرشد من يقومون بذلك، أو ساهم مع من قاموا بمثل هذه التصرفات بشكل غير قانوني، أو قام بإخراج آيا صوفيا من كونه مسجدًا، أو طالب بأشياء مثل حق الوصاية من خلال أوراق مزورة، أو سجله (المكان) في سجلاته عن طريق الباطل أو أضافه لحسابه كذبًا، أقول في حضوركم جميعًا أنه يكون قد ارتكب أكبر أنواع الحرام واقترف إثمًا. ومن غيّر هذه الوقفية شخصًا كان أو جماعة، عليه أو عليهم إلى الأبد لعنة الله والنبي والملائكة والحكام وكل المسلمين أجمعين، ونسأل الله ألا يخفف عنهم العذاب، وألا ينظر لوجوههم يوم الحشر، ومن سمع هذا الكلام، وواصل سعيه لتغيير ذلك، سيقع ذنبه على من يسمح له بالتغيير، وعليهم جميعًا عذاب من الله، والله سميع عليم".

وقد كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محقا حينما وصف قرار تحويل آيا صوفيا إلى متحف بأنه "لم يكن خيانة للتاريخ فحسب، بل أيضا ضد القانون، لأن آيا صوفيا ليست ملكا للدولة ولا أي مؤسسة فهي ملك لوقف السلطان محمد الفاتح". ومن المتفق عليه بين الفقهاء على أن شرط الواقف كنص الشارع، فكما يجب مراعاة نص الشارع واتباعه يجب أيضا مراعاة واعتبار شرط الواقف الموافق للشرع ، فله أن يحدد المصارف الوقفية حيث شاء مالم تكن معصية. ومن هنا فإنه لا يجوز تغيير شرط الواقف محمد الفاتح أو انتهاكه، ويجب مراعاة حريته في وقفه آيا صوفيا مسجدا.


إن توقيت فتح آيا صوفيا يكشف عن معاني كثيرة وحكمة نيرة، فكل دولة مشغولة بشؤونها الداخلية من مصائب كورونا التي أنهكتها، وتركيا اليوم ليست كما كانت بالأمس فقرارها بيدها وتاريخها العثماني المطموس والمظلوم أصبح أولى بالنور والظهور لذا جاء توقيت الفتح في نفس اليوم الذي ألغي فيه أتاتورك الخلافة الإسلامية في العام 1923م. كما أن هذا المسجد يمثل رمزية كبيرة للمسلمين في بقاع المعمورة فهو أول مسجد في عقر الامبراطورية البيزنطية وإيذانا بعودة الحضارة الإسلامية إلى سابق عهدها. كما أنه يزيل اللعنة ويفتح باب الأمل للمظلومين ويلقي الضوء على مساجد الله المأسورة وفي مقدمتها المسجد الأقصى كما ذكر الرئيس أردوغان بأن: "إعادة إحياء آيا صوفيا، يبشر بحصول المسجد الأقصى على حريته، وهو بمثابة قرع أقدام إرادة خروج المسلمين بكافة أنحاء العالم من عصر العزلة، وهذا الإحياء أيضًا هو اشتعال جديد لنيران آمال المظلومين، والضحايا، والمكلومين، والمستعمرين بكافة أنحاء العالم" وأكد علـى ذلك أيضا خطيب الجمعة رئيس الشؤون الدينية في تركيا، علي أرباش بقوله: "إِعَادَةَ فَتْحِ آيَا صُوفْيَا أَمَامَ الْعِبَادَةِ مِنْ جَدِيدٍ هُوَ بِمَثَابَةِ تَعَلُّقٍ لِجَمِيعِ مَسَاجِدِ هَذِهِ الْأَرْضَ الْحَزِينَةِ وَالْمَظْلُومَةِ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى الْمُبَارَكُ وَتَشَبُّثٌ لَهَا بِالْأَمَل". ورحم الله الشيخ أحمد ياسين الذي تنبأ بزوال الكيان الصهيوني مؤكدا أنه في العام 2027 لن تكون هناك دولة اسمها إسرائيل. وما ذلك على الله بعزيز.


والناظر إلى المنافع الاقتصادية لتركيا من تحويل آيا صوفيا من متحف لمسجد يجد أن بقاءها متحف أفضل حالا وأوفر مالا، في ظل بلوغ عدد السائحين الزائرين لها سنويا أكثر من ثلاثة ملايين زائر بمقابل مادي قدره 25 مليون دولار باعتبار آيا صوفيا من أهم المعالم السياحية في تركيا، وثالت مكان للعبادة عالميا من حيث استقبال الزوار، ولكن ليس بالمال وحده تحيا الدول، ولا بالنظرة المادية البحتة تبني حضارتها.. إنها المبادئ والقيم لا المصالح وحمر النعم.. فواهب المال هو الله وهو الرزاق ذو القوة المتين، ومنافع المسجد الربانية والمعنوية بل وبركته الاقتصادية لا تقاس ولو بأضعاف المنافع المادية البحتة لكونه متحفا، ولنا العبرة في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله  إن شاء إن الله  عليم حكيم) التوبة/28، حيث رأي بعض مسلمي مكة الذين يعيشون على السياحة الدينية في موسم الحج أن منع المشركين من الحج إلى بيت الله الحرام سوف يؤدي إلى كساد تجارتهم وانهيارها ، وجاء الوعد من الله  تعالى ليريح بالهم ويبين لهم أن أمر الرزق بيد الله تعالى، وإن كانوا يخافون الفقر فسوف يغنيهم الرزاق من فضله.


إن تركيا اليوم تسير بخطوات واضحة المعالم نحو العودة بصورة تدريجية وحكيمة لأحكام الإسلام  بعد تغريب فج، وقد بدت إشارات تعكس إلى أين تتجه تركيا؟ فقد بدا سيف محمد الفاتح بيد خطيب الجمعة ورايات فتحه منظورا، وقراءة أردوغان لآيات من كتاب الله بآيا صوفيا وزيارته قبر محمد الفاتح بعد صلاة الجمعة ورده وديعته التي أوقفها لربه مشهودا، فضلا عن سك عملة بقيمة (1) ليرة تركية ممثلة في 5 آلاف قطعة نقدية فضية و 10 آلاف قطعة برونزية خاصة بمسجد آيا صوفيا ، فجمع أردوغان بذلك ما استقر عليه العثمانيون وفق منظورهم الإسلامي من السكة والخطبة كرمزين للسيادة، وذلك باعتبار الأولى مادية والثانية معنوية.


إنه آن أوان التأريخ لتاريخ المسلمين المعاصر من الفتح الثاني لإسطنبول بفتح مسجد آيا صوفيا والذي بعده لن يكون كما قبله، فقد تحررت تركيا من قيود الغرب، وملكت قرارها واستقلالها، وعادت لها بؤرتها الإسلامية بعيدا عن الدور الوظيفي الذي ارتضاه الغرب لها، والتسويف والمماطلة والمعايير المزدوجة من الاتحاد الأوربي لانضمامها لعضويته التي لم تعد تمثل شيئا لها، بما تملكه من مفاصل قوة الواقع والماضي التي تمكنها بمفردها من لعب دور دولي فعال يعيد لها أمجادها، ويحررها بكل قوة من معاهدة لوزان التي كبلتها.
-----------
نقلاً عن "عربي21"