اختلالاتٌ فجةٌ طرأت على مجتمعاتنا المسلمة أفقدتها نزاهتها وأخلاقها القويمة التى اشتُهرت بها، وكان لأنظمة الحكم العلمانية المتتالية دورٌ فى زيادة هذه الاختلالات وتكريس أنماط من السلوكات الاجتماعية المنحرفة  التى أضعفت وازع الدين فى نفوس الناس، وأفقدتهم القدرة على التمييز ما بين الخطأ والصواب.

نحن –بالفعل- فى زمن الرويبضة الذى قال عنه النبى –صلى الله عليه وسلم-: «سيأتى على الناس سنواتٌ خدَّاعاتٌ، يُصدَّقُ فيها الكاذب، ويُكذَّبُ فيها الصادق، ويُؤتمنُ فيها الخائنُ، ويُخوُّنُ فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم فى أمر العامة». وعلى هذا الحال قُدمت النفايات وأُخرت الكفايات، وعلا أهل الفسق وذاع صيتهم وصاروا قادة رأى، فى حين خفت صوت أهل الحق وضعف أثرهم، حتى جهر العوام بالمعصية عندما لم يجدوا من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
والناس فى كربٍ وغمٍّ جرّاء هذا الاختلال ولا يدرون ما سببه؛ إذ لا يخفى ما يعانونه من بلاءات متتابعة وأمراض فاتكة وجرائم شاذة لم نسمع بمثلها  من قبل، وشكاوى لا تنقطع من عسر العيش وضيق الحال وعقوق الزوجة وفساد الولد، وما انتبهوا إلى أن هذا جزاء النكث مع الله وتنكب صراطه المستقيم، وحب الدنيا إلى درجة نسيان الآخرة، فانهارت لذلك منظومة الأخلاق المانعة لكل هذا الفساد الذى فشا فى البر والبحر.

ماذا يفعل الدعاة فى هذه الأجواء التى انتفش فيها الباطل وعلا ذكره، وساد الظلم وتبجَّح أهله، وصار الحكام دمًى فى أيدى أعدائنا، ووقف على أبواب هؤلاء الحكام علماء يفتون بما يرغبون حتى طالت هذه الرغبات ثوابت الدين وأركان الإيمان؟

فى الواقع هناك عدة صفات لا بد أن توجد فى المسلم حتى يُقال إنه داعية، ذكرها الإمام البنا تحت عنوان (صفات الأخ المسلم)؛ وهى: أن يكون سليم العقيدة، صحيح العبادة، قوى الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا فى شئونه، نافعًا لغيره. وبدون هذه الصفات لا يستقيم أمره ولا ينجح عمله، أما ما يترتب عليها وينتج منها فهو كثير، فإن من تتوافر فيه هذه الصفات يكون قدوة فى أخلاقه وسلوكه، يؤتم به فى القول والعمل، له دوره الفاعل فى الذبِّ عن الدين وحماية ثغوره، لا يغفل لحظة عن تفقد جهاته ومراجعة تحصيناته، منتظرًا الأجر من الله كما جاء فى آيات وأحاديث شتى؛ «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس»، «من تمسك بسنتى عند فساد أمتى فله أجر مائة شهيد».

والداعية مُطالب بالنصح والإرشاد فى كل وقت وحين، لا يمنعه انصراف الناس عنه، أو فسادهم وانغماسهم فى الملذات والمعاصى، فإن واجبه البلاغ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والإعذار إلى الله (وَإْذ قَاَلتْ أُمَّةٌ منْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهلِكُهُمْ أوْ مُعَذِّبُهُم عَذَابًا شَديدًا قالوا معذرةً إلى ربِكُم وَلَعلَّهم يَتَّقُون) [الأعراف: 164]؛ أما النتيجة فعلى الله خالق الخلق مسبب الأسباب مقلب القلوب والأبصار، وهو فى ذلك ليس بدعًا من الرسل والأنبياء؛ إذ كان الواحد منهم يأتى ومعه الرجلان ومعه الرجل أو يأتى وليس معه أحد، فما ضرهم ذلك فى شىء وما منعهم من مواصلة الدعوة ولفت الناس إلى دين الله ومحاسن شرائعه.

والداعية أبعد الناس عن اليأس والقنوط، بل هو روح لبث الأمل فى نفوس الحيارى والمحبطين، وقطع الطريق على كل محاولة للتواكل والقعود؛ بأن يكون هو أولًا معبأ بهذا الأمل، شكلًا ومضمونًا لا رياء وتصنعًا، وهذا لا بد له من يقين قلبى ووقود شعورى، واطلاع عميق فى سير الأنبياء والصالحين وما كوفئوا به على اصطبارهم ورباطهم دون أن يتطرق إليهم شك أو يصيبهم جزع؛ لعلمهم أن العقبى للمتقين وأن ما مس طائفة منهم من يأس كان من الشيطان الذى أعجلهم بأمانيه الكاذبة فصدقوه، ثم فاؤوا إلى ربهم فكان لهم الجزاء الحسن والنصر المبين.

وإن من التكاليف المفروضة على داعية اليوم أن يكون حازمًا فى رأيه، واضحًا فى اختياراته، من دون «ميوعة» أو تردد، بعدما كثر المتهتكون الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم، وهذا يقتضى الإخلاص والزهد، والجرأة بالحق، وأن يستعلى بإيمانه وما وقر فى قلبه على من يريدون أن يطفئوا نور الله.

ومن التكاليف المهمة كذلك أن يحقق فى نفسه قاعدة: «رحم الله رجلًا عرف زمانه فاستقامت طريقته»، فوجب أن يكون ملمًّا بالمستجدات، ماهرًا فى وسائل ووسائط الدعوة الحديثة التى أزالت الحواجز وقرَّبت المسافات وأتاحت ما لم يكن متاحًا من قبل، وقد نقلت هذه الوسائل الدعوة من المساجد إلى رحابها التى غطت أرجاء المعمورة، فليس من المنطقى أن يسوِّق الجميع لدينه ومذهبه ولا يزال داعية الإسلام رهين الوسائل التقليدية التى ربما انفض عنها المدعوون أو زهدوا فيها.