فى مطلع السبعينيات وبعد تولى السادات السلطة، نُشرت وثيقةٌ لخطة وضعها الهالك «ناصر» بمشاركة خبراء من الداخل والخارج ومسئولى مكتبى مكافحة جماعة الإخوان المسلمين فى المخابرات العامة والمباحث العامة. كان هدف الخطة كما جاء فى مقدمتها: «غسل مخ الإخوان من أفكارهم، ومنع هذه الأفكار من الانتقال لغيرهم».

 وتضمنت الخطة -بعد الحديث عن صفات الفرد الإخوانى وتميزه وقدرته على كسب محبة الناس واختراق المجتمع وولائه لجماعته- وسائل وقائية، وتوصيات على أكثر من مستوى. أما الخطوات الإجرائية فتتلخص فى: محو فكرة ارتباط السياسة بالدين، وإبادة تدريجية بطيئة، مادية ومعنوية وفكرية، للجيل القائم من معتنقى الفكرة؛ وذلك بتغيير المناهج الدراسية، ومصادرة أى مطبوعات أو أدبيات للجماعة، ومنع أعضائها من الالتحاق بالسلك العسكرى أو الدبلوماسى أو السياسى، وإحداث الوقيعة بينهم بدعوى إبلاغ بعضهم عن بعض، وعزلهم من أى أعمال شعبية أو حكومية، ومنعم من السفر، وتأليب حكومات الدول التى تؤويهم عليهم، ومعاملة محبيهم بالعنف والقسوة.

أما فيما يخص المعتقلين فقد توسّعت الوثيقة فى توصياتها؛ باعتبار هؤلاء المعتقلين هم حراس الجماعة وقادتها، وذكرت الوثيقة: «بالنسبة للإخوان الذين اعتُقلوا أو سُجنوا فى أى عهد من العهود، يعتبرون جميعًا قد  تمكنت منهم الفكرة كما يتمكن السرطان من الجسم فلا يُرجى شفاؤه؛ ولهذا تجرى عملية استئصالهم كالآتى:

المرحلة الأولى: إدخالهم فى سلسلة متصلة من المتاعب، تبدأ بالاستيلاء أو وضع الحراسة على أموالهم وممتلكاتهم، ويتبع ذلك اعتقالهم، وأثناء الاعتقال يُستعمل معهم أشد أنواع الإهانة والعنف والتعذيب على مستوى فردى ودورى حتى يصيب الجميع الدور. ثم يعاد وهكذا. وفى الوقت نفسه لا يتوقف التكدير العام الجماعى، بل يكون ملازمًا للتأديب الفردى.. وهذه المرحلة لو نفذت بدقة ستؤدى إلى ما يأتى: 1- بالنسبة للمعتقلين؛ اهتزاز المُثل والأفكار فى عقولهم، وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض فيهم. 2- بالنسبة لنسائهم؛ سواء كن زوجات أو أخوات أو بنات فسوف يتحررن ويتمردن بغياب عائلهن، وحاجتهن المادية قد تؤدى إلى انزلاقهن. 3- بالنسبة للأولاد؛ تضطر العائلات لغياب عائلها وحاجتها المادية إلى توقيف الأولاد عن الدراسة وتوجيههم للحرف والمهن؛ وبذلك يخلو جيل الموجهين المتعلم القادم ممن فى نفوسهم حقد أو ثأر أو آثار من أفكار آبائهم..

المرحلة الثانية: إعدام كل من يُنظر إليه بينهم كداعية ومن تظهر عليه علامات الصلابة سواء داخل السجون والمعتقلات أو فى المحاكمات. وهذه المرحلة إن أُحسن تنفيذها مع المرحلة السابقة ستكون النتائج كالتالى: يخرج المعفو عنهم إلى الحياة؛ فإن كان طالبًا فقد تأخر عن أقرانه ويمكن أن يُفصل من الدراسة ويُحرم من متابعة تعليمه. وإن كان موظفًا أو عاملًا فقد تقدم زملاؤه وترقوا وهو قابعٌ فى مكانه، ويمكن أيضًا أن يُحرم من العودة إلى وظيفته أو عمله. وإن كان تاجرًا فقد أفلست تجارته ويمكن أن يُحرم من مزاولة التجارة. وإن كان مزارعًا فلن يجد أرضه حيث تكون قد وُضعت تحت الحراسة أو صدر لها قرار استيلاء».

واستطردت الوثيقة: «وسوف يشترك جميع المعفو عنهم فى الآتى: 1- الضعف الجسمانى والصحى، والسعى المستمر خلف العلاج، والشعور المستمر بالضعف المانع من أية مقاومة؛ 2- الشعور العميق بالنكبات التى جرتها عليهم دعوة الإخوان، ومن ثم كراهية الفكرة والنقمة عليها؛ 3- عدم ثقة كل منهم فى الآخر، وهى نقطة لها أهميتها فى انعزالهم عن المجتمع وانطوائهم على أنفسهم؛ 4- خروجهم بعائلاتهم من مستوى اجتماعى إلى مستوى أقل نتيجة لعوامل الإفقار التى أحاطت بهم؛ 5- كثرة الديون عليهم نتيجة توقف إيراداتهم واستمرار مصروفات عائلاتهم. وهناك إلى جانب ذلك نتائج جانبية لهذه السياسة وهى: 1- الضباط والجنود الذين يقومون بتنفيذ هذه السياسة سواء بالجيش أو البوليس سيعتبرون فئة جديدة ارتبط مصيرها بمصير الحكم القائم؛ حيث إنه عقب التنفيذ سيشعر كل منهم بحاجته إلى هذا الحكم ليحميه من أى عمل انتقامى قد يقوم به الإخوان؛ 2- إثارة الرعب فى نفس كل من تسول له نفسه القيام بأى معارضة فكرية للحكم القائم؛ 3- وجود الشعور الدائم بأن المخابرات تشعر بكل صغيرة وكبيرة، وأن المعارضين لن يتستروا وسيكون مصيرهم أسوأ مصير؛ 4- محو فكرة ارتباط الدين بالسياسة».

وما جاء فى الوثيقة لا يحتاج إلى تعليق، ويؤكد أن النظام الحالى يطبق «السيناريو» نفسه رغم تغير الزمان والبيئات الداخلية والخارجية.. بل ما يجرى الآن داخل السجون ربما فاق ما جرى فى الستينيات، ورغم علو صرخات الأهالى لما يجرى لذويهم خلف القضبان فلا مجيب، وقد وضح للعيان تواطؤ الداخل والخارج من المعنيين بحقوق الإنسان، فباتت السجون مسرحًا للتعذيب والحرمان اللذين أفضيا إلى الموت البطىء، وباتت تُسمع فيها أنَّات الزمنى الذين حرموهم العلاج وكبار السن الطاعنين الذين دخل بعضهم عقده التاسع.. فلا عجب، والأوضاع هكذا، أن يُعلن عن أربعة شهداء فى أسبوع واحد ومن سجن واحد.

وإننى أدعو كل حر، بل كل إنسان أن يولى القضية ولو بعض اهتمام، وأن يتحدث عن حقوق عشرات الآلاف، هم من خيرة المصريين، ممن حُرموا الزيارات وباتوا ينتظرون الموت بأيدى من غابت ضمائرهم وانتُزعت إنسانيتهم.