وكما يشمل التوجيه الإلهي الأفراد والمجتمعات فإنه يشمل الأمة كذلك، ولعل هذا أخطر الثلاثة أثرًا، وأكثرها بركة ونفعًا، فمعلوم أن انحراف الفرد وضلاله مهما مثل من خسارةٍ- يجدر مدافعتها، فإنه يبقى خسارةً محدودة، وكذلك ما يحدث للمجتمع. أما الأمة فالخطب فيها جلل، والأثر مختلف كل الاختلاف. 

ومن عجيب إعجاز القرآن أن تشمل اللفظة والجملة القرآنية عدداً من المحاور، وأن تصلح لغير واحد من الجوانب. وأن يغترف منها كل مهتد، ويسعد بها كل مخلص.

والأمة مقصودة فى هذه الآية، مقصودة بجملتها، مقصودة بقيادتها، مقصودة برأيها العام الموجه، مقصودة بإعلامها، مقصودة برجالاتها، مقصودة بمشروعات نهضتها، مقصودة بكل هيئاتها وتشكيلاتها. وأحزابها وجماعاتها، الأمة مقصودة ومأمورة بهذا التوجيه القرآني الحكيم.

فما يجوز للأمة أن يلهيها عن مهمتها المقدسة شئٌ، مهما كان هذا الشيء، لا يجوز لها أن تؤخر هذه المهمة، ولا يجوز لها أن تبخل عنها، أو تقصر فيها، تلك المهمة التى انتدبها الله لها، مهمة القيادة الربانية للبشرية كلها، مهمة الدلالة على الله الواحد، مهمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مهمة الإنقاذ، (وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وغير ذلك كثير من آيات القرآن وأحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وكلها تدلك على المهمة التى ابعث لها هذه الأمة، تلك المهمة التى جاءت واضحةً بسيطةً، يفهمها الجميع، وعبر عنها ربعيّ ابن عامر، خين قال: (لقد ابتعثنا الله، لنخرج من شاء، من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان، إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة)

وهذه المهمة بهذه الضخامة والشمول، بهذا العموم والاتساع، هي مهمةٌ تستغرق الأمة كلها، أفرادها، ومؤسساتها، ومقدراتها، وإمكانياتها، وكل ما فيها. فليس للأمة بعد ذلك أن تنشغل بغير مهمتها، ولا يستحق شئٌ آخر-مهما كان- أن يلفت الأمة عنها، إن كانت راشدة!

وهذه المهمة، وهذا التكليف الرباني الكريم، له من التبعات الكبيرة ما يجعله فى الصميم من قضايانا، فلو لم يكن أمرً من الله، ثابت فى القرآن والسنة- لكان حريًا على حكماء الأمة وقادتها أن يجعلوه كذلك، ذلك أن مهمة إنقاذ البشرية من براثن الشيطان، والوصول بها لبر الأمان، وتحقيق العدل والسعادة، ونشر الخير والحق فى ربوع الأرض، يستحق ذلك الهدف أن تسعى إليه الأمة الجادة، وتوظف له طاقات أبنائها، فتحصنهم أولًا من كل شر وسوء، وتدفعهم إلى المعالى دفعًا، فتكون الأمة نفسها بمجموعها أول الرابحين.

ثم يأتي ذلك الإنجاز العظيم، ذلك الحلم الجميل، تلك المهمة النبيلة، التى يفيض الخير والجمال من جوانبها، حين تستطيع الأمة الراشدة إنقاذ الملايين والملايين من الناس، أولئك الذين فقدوا معاني السعادة وحقيقتها، أولئك المتشوقون إلى الراحة والسكينة، أولئك المعذبون في ظلمات البعد عن الله، الذين تثب فى أرواحهم أشواق الفطرة الأولى، لكنهم لا يعرفون الطريق! فإذا بالأمة الراحة قد جاءتهم على قدر، ووصل قطار الإنقاذ فى الوقت الصحيح، وإذا بالأمة المكلفة من ربها- تأخذ بأيديهم إلى صراط الله المستقيم، تحنو عليهم، تغفر لجاهلهم، تتجاوز عن مسيئهم، وتتسامى فوق كل اعتبار، لا يلهيها عن هدايتهم إلا هدايتهم.

وهنا ربما يظهر عظم الجرم، وضخامة الجريمة، حين تتلهى الأمة عن مهمتها التى لن يقوم بها غيرها، حين يلهيها التكاثر، حين تقع هى نفسها فريسة للتنافس على التفاهات، حين تستنفذ مواردها فى التسابق على المعاصى، أو مباحات الحياة وملذاتها، حين ينشغل شبابها بما لا يعود عليهم، ولا على أمتهم بخير، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، حين يفقد قادتها ورجالاتها رشدهم، فتراهم مشغولين عن هذه المهمة المقدسة بالتكاثر والزيادة من الدنيا بأشكالها المختلفة، يتصارعون، ويبذلون، يجاهدون، ويتربصون، وعن غايتهم الصحيحة هم مغيبون!

لا يجوز للأمة أن تتلهى، أو تتنازل، أو تفرط فى أمر ربها، إن ذلك هو سبب البلاء، بل هو البلاء المبين، ولنا أن نتخيل ملايين الملايين من الناس يشكوننا إلى الله، ويحاجوننا عنده يوم القيامة، لأننا لم نقم بفريضة فرضها الله علينا، لأننا انشغلنا عندعوتنا، عن فريضتنا، تلك والله الطامة الكبرى، ولا سبيل إلا بالعودة إلى الله، وتصحيح المسار، لعله سبحانه يتوب علينا ويتقبلنا فى عباده الصالحين.