أولاً : مفهوم اتباع الهوى

الآفة التي تصيب بعض العاملين، ويصطلي بناره العمل الإسلامي إنما هي: (( اتباع الهوى )).

وحتى يتطهر منها من ابتلوا وأصيبوا، ويتحصن من غوائلها وخطرها من عافاهم الله عز وجل منها، فإنه لابد من الوقوف على أبعادها ومعالمها وتقديم تصور واضح لها .

ولكي نقف على هذه الأبعاد وتلك المعالم ويكون لدينا تصور واضح أو قريب من الواضح عن هذه الآفة فإننا سنتناولها على النحو التالي :

أولاً : مفهوم اتباع الهوى

اتباع الهوى لغة : لا يمكن أن ينجلي أو يظهر المراد باتباع الهوى لغة إلا إذا فسر المراد بالهوى فماذا يراد بالهوى ؟.... يطلق الهوى على عدة معان نذكر منها :

(أ) ميل النفس إلى ما تشتهي .
(ب) إرادة النفس ما تحب .
(ج) عشق الشيء وتمكنه من القلب .

وحقيقة الحال أن هذه المعاني جميعا متقاربة وإن اختلفت العبارة أو اللفظ؛ إذ المعنى الأول والثاني يصوران الهوى في بدايته على أنه مجرد ميل وإرادة قلبية دون تمكن واستقرار، أما المعنى الثالث فيصوره في وسطه على أنه حب أو غلبة قلبية يمكن أن تزول بقليل من المجاهدة، أما المعنى الرابع والأخير فيصوره في نهايته على أنه عشق وهيام يسيطران على القلب ويتمكنان منه، ولا يمكن زوالهما بالمجاهدة إلا بعد جهد جهيد، وزمن طويل .

ولما كان كل معنى من المعاني المذكورة آنفا صالحا لأن يكون في الخير وصالحا لأن يكون في الشر فقد قال علماء اللغة : إن الهوى إذا أطلق انصرف إلى ما كان شرا أو ما كان مذموما فإذا أريد به ما كان حسنا يقال : هوى حسن وهوى مواقف للصواب .

وإذ انتهينا الآن من تحديد المراد بالهوى لغة فإننا نقول: إن اتباع الهوى في اللغة هو السير وراء ما تهوى النفس وما تشتهي بل ما تحب .

اتباع الهوى اصطلاحا : أما المراد باتباع الهوى في اصطلاحه الشرعي والدعوي فهو السير وراء ما تهوى النفس وتشتهي، أو النزول على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل أو الرجوع إلى شرع أو تقدير لعاقبة .

ثانيا: حقيقة اتباع الهوى في ميزان الإسلام

واتباع الهوى ليس مذموما كله في نظر الإسلام، بل منه ما هو مذموم وهو المذكور في المعنى الاصطلاحي، وهو الذي عناه القرآن الكريم في قول الله عز وجل -:

{ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا }.
{ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله }.
{ ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي }.
{ وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى }.
{ ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه }.
{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله }.

أخرى كثيرة .

كما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :

( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله ).

بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام .....

والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معرفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه .... وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه.

"أسود مربادا: شدة البياض في سواد ــــــــــ و كالكوز مجخيا: منكوسا"

وعناه بعضهم بقوله :

إني بليت بأربع يرمينني

بالنيل من قوس لها توتير

إبليس والدنيا ونفسي والهوى

يا رب أنت على الخلاص قدير

 

ومنه ما هو محمود وهو الموافق لشرع الله ومنهجه وهديه وهو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :

لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما جئتكم به كما عنته عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها للنبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله تعالى قوله :{ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُـْٔوِىٓ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ۖ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ }:

(( ما أرى ربك إلا يسارع في هواك )). " ملاحظة: ومعنى الحديث: أن الله سبحانه وتعالى خص نبيه من بين سائر المؤمنين بأن أي امرأة وهبت نفسها له فله أن ينكحها. فعند نزول الآية المذكورة قالت عائشة: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. ومعناه كما قال ابن حجر: (أي ما أرى الله إلا موجداً لما تريد بلا تأخير، منزلا لما تحب وتختار. وقال القرطبي: هذا قول أبرزه الدلال والغيرة، وهو من نوع قولها: ما أحمدكما ولا أحمد إلا الله. وإضافة الهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يحمل على ظاهره لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل بالهوى، ولو قالت إلى مرضاتك لكان أليق، و لكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك.
وهذا الحديث دليل على عفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم شهوانيته، لأن الله أباح له أي امرأة تهب نفسها له، وجاءه كثير من النساء وعرضن أنفسهن عليه وردهن، فقد أخرج الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. قال ابن حجر في الفتح: وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحاً له، لأنه راجع إلى إرادته لقوله تعالى (إن أراد النبي أن يستنكحها)
.

ثالثا : أسباب اتباع الهوى تؤدى إليه وبواعث توقع فيه

1- عدم التعويد على ضبط الهوى منذ الصغر :

أي أن السبب الأول لاتباع الهوى إنما يدور حول عدم التعويد على ضبط هذا الهوى منذ الصغر :

ذلك أن الإنسان قد يلقى من أبويه منذ الصغر حبا مفرطا وحنانا فوق المطلوب؛ بحيث يطغى هذا الحب وذلك الحنان على تنمية الضوابط الفطرية والشرعية التي لابد منها لتنظيم الرغائب أو الدوافع، وحينئذ يكبر هذا الإنسان، ويكبر معه الانسياق وراء العواطف والرغائب حتى لو كانت مخالفة للمشروع إذ من شب على شيء شاب عليه إلا من رحم الله عز وجل .

جاء في منهج التربية الإسلامية قول كاتبه:

والأم التي ترضع طفلها كلما بكى لكي يسكت أو لأنها لا تطيق أن تسمعه يبكى تضره بذلك لأنها لا تعينه على ضبط رغباته ولا تعوده على ذلك الضبط في صغره فلا يتعوده في كبره ومن منا تتركه ظروف الحياة لرغباته يشبعها كما يشاء ؟ وذلك فضلا عن أن المسلم بالذات ينبغي أن يتعلم الضبط ويتعوده منذ باكر عمره لأن الجهاد في سبيل الله لا يستقيم في النفس التي لا تستطيع ضبط رغباتها فتنساق معها وكيف يمكن الجهاد بغير ضبط في ذاته، ولكنه يصبح إثما حين يشغل عن الجهاد في سبيل الله :

{ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ }.

فكل ما ذكرته الآية ليس محرما في ذاته، ولكنه صار فسقا وحراما حين أصبح سببا في القعود عن الجهاد في سبيل الله، وحين رجحت كِفّته في الميزان انقلب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله.

فما الوسيلة للاستقامة على ميزان الله إلا ضبط هذه الرغبات، والاستغناء عنها حين تحول بين الإنسان وبين سبيل الله .

و الضبط مَقْدِرة يتدرب الإنسان عليها ، وعادة يتعلمها، وكلما تدرب عليها وهو صغير كان أقدر عليها ، واكثر تمكناً منها فيجدها حاضرة في أعصابه حين تفجؤه الأحداث.

2- مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم :

و السبب الثاني لاتباع الهوى، إنما هو مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم ، ذلك أن العواطف أو الدوافع تنمو بالمجالسة وطول الصحبة ، وعليه فمن لازم مجالسة أهل الأهواء وأدام صحبتهم ، فلابد من تأثره بما هم عليه ، لاسيما إذا كان ضعيف الشخصية، وعنده قابلية التأثر بغيره من أولئك الناس .

وقد وعى السلف - رضوان الله عليهم - هذا السبب ، فأكثروا من التحذير من مجالسة أهل الأهواء ، بل والتعامل معهم أثر عن أبي قلابة قوله :

( .... لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم ، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون.

وأثر عن الحسن وابن سيرين قولهما :

( ولا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ، ولا تسمعوا منهم ) .

3- ضعف المعرفة الحقة بالله و الدار الآخرة :

و السبب الثالث لاتباع الهوى إنما هو ضعف المعرفة الحقة بالله وبالدار الآخرة ، ذلك أن من ضعفت معرفته بالله، وأنه وحده له الحكم ، وإليه المرجع و المآب ، وهو أسرع الحاسبين ، كما قال سبحانه عن نفسه { ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } من كان كذلك لا يقدر ربه حق قدره، وبالتالي يفعل ما يفعل غير مبال بما إذا كان ذلك يرضى الله أو يغضبه، ينجيه أو يهلكه .

وقد لفت الحق سبحانه النظر إلى ذلك وهو يتحدث عن الضالين و المكذبين ، مبيناً أن السبب في ضلال هؤلاء وتكذيبهم إنما يعود إلى عدم معرفتهم بالله حق المعرفة ، وبالتالي عدم تقديرهم له حق قدره ، إذ يقول سبحانه :

{ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ... } { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز } { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ، ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ، وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } .

4- تقصير الآخرين في القيام بواجبهم نحو صاحب الهوى :

و السبب الرابع لاتباع الهوى إنما هو تقصير الآخرين في القيام بواجبهم نحو صاحب الهوى؛ ذلك أن صاحب الهوى إذا رأي ممن حوله استحساناً لما هو عليه، أو سكوتاً وعدم إنكار بأي من وسائل الإنكار ، فإنه يمضى ويتمادى فيما هو عليه ، حتى يتمكن الهوى من قلبه ،ويسيطر على كل سلوكياته وتصرفاته .

ولعل هذا هو السر في تأكيد الإسلام على مقاومة المنكرات، وعدم السكوت عنها ولكن بالأسلوب المناسب ، ومع التكرار ، نظراً لأن غالبها ناشئ عن اتباع الهوى ، إذ يقول الحق سبحانه { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } ، { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ، { وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً } .

ولعله السر كذلك في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على مجانبة من لمح فيهم ميلاً إلى الهوى، وعدم رحابة الصدر لهم ، لعلهم يتوبون أو يذكرون .

جاء عن عبد الله بن كعب أنه قال : سمعت كعب بن مالك ، وذكر ابن السرح قصة تخلفه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، قال :

ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة ، حتى إذا طال تسورت جدار حائط أبى قتادة ، وهو ابن عمى ، فسلمت عليه ، فوا الله ما رد عليّ السلام ، ثم ساق خبر توبته.

وجاء عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه اعتل بعير لصفية بنت حيى ، وعند زينب فضل ظهر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطيها بعيراً ، فقالت : أنا أعطى تلك اليهودية ؟؟ فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهجرها ذا الحجة و المحرم وبعض صفر .

وجاء عن عمار بن ياسر أنه قال: قدمت على أهلي، وقد تشققت يداي ، فخلفوني بزعفران ، فغدوت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فرد على ، وقال :( اذهب فاغسل عنك هذا ).

5- حب الدنيا و الركون إليها مع نسيان الآخرة :

و السبب الخامس لاتباع الهوى إنما هو حب الدنيا و الركون إليها مع نسيان الآخرة ، ذلك أن من أحب الدنيا ، وركن إليها ونسي الآخرة يتولد عنده سعي حثيث لتلبية كل ما يفرضه هذا الحب ، وذلك الركون ، حتى وإن كان مخالفاً لمنهج الله ، وذلك بعينه هو اتباع الهوى، وقد لفت المولى النظر إلى هذا السبب في قوله :

{ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، و الذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } .

كما لفت النبي - صلى الله عليه وسلم - النظر في الحديث المذكور آنفاً :( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) .

6- الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى :

والسبب السادس لاتباع الهوى إنما هو الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى؛ ذلك أن من جهل عواقب محظور من المحظورات وقع في هذا المحظور دون أدنى اهتمام أو مبالاة ، ولعل هذا هو السر في اهتمام الشارع الحكيم بالتذكير بالعواقب المترتبة على المأمورات و المنهيات ، كما أشرنا إلى ذلك غير مرة فيما تقدم من آفات .

رابعاً : آثار اتباع الهوى

ولاتباع الهوى آثار ضارة ، وعواقب مهلكة ، سواء كانت على العاملين أو على العمل الإسلامي ودونك هذه الآثار :

أ- آثار اتباع الهوى على العاملين :

فمن آثاره على العاملين :

1- نقصان بل تلاشي الطاعة من النفس :

ذلك أن صاحب الهوى أو المتبع لهواه يعز عليه، بل يكبر في نفسه أن يطيع غيره، خالقاً كان هذا الغير أو مخلوقاً ، بسبب أن هذا الهوى قد تمكن من قلبه ، وملك عليه أقطار نفسه ، فصار أسيراً لديه ودافعاً له في نفس الوقت إلى الغرور ، و التكبر ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فإما أن يطيع ربه، وإما أن يطيع نفسه وهواه ، وشيطانه ، وهو ليس بمطيع ربه ، فلن يبق إلا أن يكون مطيعاً لهواه .

2- مرض القلب ثم قسوته وموته :

ذلك أن صاحب الهوى غارق من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه في المعاصي و السيئات، وهذه بدورها لها آثار خطيرة على القلب، إذ إنها تنتهي به إلى المرض، ثم القسوة أو الموت ، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه؛ فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت ، حتى يعلو قلبه ذاك الرين الذي ذكره الله - عز وجل - في القرآن { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، وإذا مات القلب وهو لب الإنسان وجوهره ، فماذا بقى لهذا الإنسان ؟!! إنه لا يبقى له سوى الشحم و اللحم ، أو بالأحرى الجانب الطيني وهو جانب حقير لا قيمة له في ميزان الله ، وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول :

( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ).

3- الاستهانة بالذنوب والآثام :

وذلك أن المتبع لهواه قد قسا قلبه ومات على النحو الذي قدمنا ، ويوم تقسو القلوب وتموت تكون الاستهانة والاستهتار بالذنوب والآثام كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :

( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا .... ) والاستهانة بالذنوب والآثام هي عين الهلاك ، و البوار و الخسران المبين .

4- عدم جدوى النصح والإرشاد :

وذلك أن المتبع لهواه قد ركب رأسه، وصار عبدا لشهواته، وأنى لهذا أن يستجيب لنصح أو ينفع فيه توجيه وإرشاد ؟!! ولا خير في قوم لا يتناصحون ولا يقبلون النصيحة ، { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ... } .

5- الابتداع في دين الله :

وذلك أن صاحب الهوى يميل كغيره من البشر إلى إثبات ذاته ووجوده، وهو لا يرضى منهج الله طريقاً لتحقيق هذا الميل، فلم يبق إلا أن يبتدع منهاجاً يوافق هواه وشهواته، يقول حماد بن سلمة : ( حدثني شيخ لهم تاب - يعنى الرافضة - قال: ( كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً جعلناه حديثاً ) والابتداع هو الضلال، وكل ضلال في النار ،كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ... إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ).

( ... أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة .)

6- التخبط وعدم الهداية إلى الطريق المستقيم :

وذلك أن صاحب الهوى بعبوديته لشهواته وميوله ، قد أعرض عن مصدر الهداية والتوفيق؛ فمن أين يأتيه التوفيق ، و الهداية إلى الطريق المستقيم ؟ وصدق الله - سبحانه وتعالى - الذي يقول :

{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على قلبه غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } .

7-إضلال الآخرين وإبعادهم عن الطريق :

ولا تقتصر هذه الآثار الضارة على صاحب الهوى ، بل كثيراً ما تتعداه إلى الآخرين لاسيما السقوط أو البعد عن الطريق سهل مرغوب فيه ، وقد لفت المولى - سبحانه وتعالى - النظر إلى ذلك في قوله :

{ وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم } .

8- الصيرورة إلى الجحيم وبئس المصير :

وأخيراً فإن من عوقب بكل الآثار التي قدمنا فإنما مأواه الجحيم وصدق الله العظيم :

{ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى } .

ب- آثار اتباع الهوى على العمل الإسلامي :

وأما آثار اتباع الهوى على العمل الإسلامي ، فإنها كثيرة نذكر منها :

1- ضعف بل تلاشي كسب الأنصار :

وذلك أن العمل الإسلامي إذا قام على أكتاف، أو كان في صفه من عرف باتباع الهوى، فإنه بذلك يسد الباب في وجه الأنصار الجدد ، إذ ليس فيه حينئذٍ أسوة أو قدوة تغري بالالتحاق به ، وبذل الغالي و الرخيص في سبيل نصرته و المضي به قدماً إلى الأمام ، وهذا بدوره يؤدي إلى طول الطريق مع كثرة التكاليف .

2- تفريق أو تمزيق وحدة الصف :

وذلك أن صف العمل الإسلامي إذا اشتمل على أصحاب الأهواء، فإنهم ينتهون به إلى التمزيق والفرقة، نظراً لضعف أو تلاشي مبدأ الطاعة عندهم، وحين تقع هذه الفرقة أو هذا التمزق، فقد صار العمل الإسلامي لقمة سائغة في فم الأعداء .

ولعمري هذا هو أهم ما يسعى إليه هؤلاء ، حتى يصير حقيقة وواقعاً في هذه الأرض ، وحينئذٍ يتمكنون بواسطته من ضرب العمل الإسلامي أو على الأقل إجهاضه والرجوع إلى الوراء عشرات السنين .

3- الحرمان من العون والتأييد الإلهي :

وذلك أن سنة الله في خلقه مضت أنه لا يمنحهم العون أو التأييد إلا إذا كانوا أهلاً لذلك ، حتى إذا مكَّن لهم يكونون كما قال سبحانه :( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ... } .

ولعمري فإن صاحب الهوى بمعصيته لربه ولرسوله ولإمارة المسلمين ، يكون سبباً في حجب هذا العون وذلك التأييد الإلهي للعمل الإسلامي .

وما زالت وصايا عمر لأمراء الجيوش الإسلامية وجندها ، إبان الفتوحات الإسلامية ترن في الآذان ، إذ قال لسعد بن أبى وقاص حين أمَّره على العراق :

يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن ، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته ، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء ، الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عند الله بالطاعة ، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه ، فإنه الأمر ، هذه عظتي إياك ، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك ، وكنت من الخاسرين ).

كما كتب إليه ومن معه من الأجناد :

أما بعد ... فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم يكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا ، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شر منا ، فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل - لما عملوا بمساخط الله - كفار المجوس فجاسوا خلال الديار ، وكان وعداً مفعولاً ، واسألوا الله العون على أنفسكم ، كما تسألونه النصر على عدوكم ، واسألوا الله تعالى ذلك لنا ولكم .

خامساً : علاج اتباع الهوى

وحتى يعالج أصحاب الأهواء أنفسهم ويقيمونها على الجادة فإنه لا مناص من اتباع الخطوات الآتية :

1- التذكير بعواقب اتباع الهوى سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي ، فإن ذلك له دور كبير في تخليص النفس من أهوائها وشهواتها ما دامت مخالفة لمنهج الله ورسوله .
2- الانقطاع عن مجالسة ومصاحبة أهل الأهواء ، مع الارتماء في أحضان أهل الصلاح والاستقامة ، فإن ذلك يعين على تحرير النفس من وقوعها أسيرة الأهواء والشهوات .
3- التعريف بالله - عز وجل - حق المعرفة ، فإن ذلك يولد في النفس حبه وإجلاله ، و النزول على حكمه في كل ما أمر به ، وفي كل ما نهي عنه ، بل ويربى فيها كذلك مراقبته وخشيته و الطمع في جنته ، ورضوانه و الخوف من ناره وعقابه .
4- حياطة الآخرين ورعايتهم لصاحب الهوى، تارة بالنصيحة المقرونة بآدابها وشروطها ، وتارة بإيقاع السلوك الأمثل أمامه ، وتارة بالعتاب وتارة بالتوبيخ و التأنيب وتارة بالهجر و القطيعة إلى غير ذلك من أساليب ووسائل الحياطة و الرعاية .
5- الوقوف على سير أصحاب الأهواء وعاقبتهم سواء أكانوا من هذه الأمة أو من الأمم الأخرى ، فإن ذلك يولد في النفس نفوراً من اتباع الهوى لئلا تكون حديث كل لسان ، ولئلا ينزل بها من العقاب مثلما نزل بهؤلاء .
6- الوقوف على سير وأخبار من عرفوا بمجاهدة نفوسهم وأهوائهم وإلزامها بحدود الله مثل عمر بن عبد العزيز ، و الحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، و الفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك وغيرهم وغيرهم ، فإن ذلك يحمل معنى الاقتداء و التأسي ، أو على الأقل المحاكاة و المشابهة .
7- التحذير من الركون إلى الدنيا والاطمئنان لها مع الربط الشديد بالآخرة، بحيث يبتغى المسلم فيما آتاه الله  الدار الآخرة ، ولا ينسى نصيبه من الدنيا إن أمكن ، وإلا آثر الآخرة عن الأولى .
8- الاستعانة الكاملة بالله - عز وجل - فإنه سبحانه يعين من لجأ إليه ولاذ بحماه ، وطلب العون و التسديد منه ، وصدق الله إذ يقول في الحديث القدسي :
( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ).
9- مجاهدة النفس ، وحملها قسراً على التخلص من أهوائها وشهواتها من قبل أن يأتي يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ، والأمر يومئذٍ لله .
10- التذكير بأن السعادة و الراحة و الطمأنينة و الفوز ، إنما هي في اتباع المشروع ، لا في اتباع ما تملي النفس وما تهوى ، وصدق الله إذ يقول :
{ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } ، { فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وفي هذا المعنى يقول القائل :

واعلم بأن الفضل في إيحائه

لا في الذي يوحي إليه هواكا
 
ـ من كتاب "آفات على الطريق" لفضيلة الدكتور السيد نوح رحمه الله.