ربما في هذا العصر نحن أحوجُ ما نَكون إلى أُخوَّة في الله صادِقة طاهِرة عَفيفة يرتضيها الله - عز وجل - كامتداد لتلك الأخوَّة التي عرفها السلف الصالح، صحيح أن هذا العصر يَختلِف عن عصر الصحابة باختلاف الذهنيات التي تبنَّت مشاريع التحضُّر ومُواكَبة العَولمة على مداخل أبواب التقدُّم والتكنولوجيا، لكن القرآن الكريم صالِح لكل زمان ومكان.

إن أي حديث عن الوحدة والتضامن قبل تحقيق الأخوة والألفة والمحبة والاحترام المتبادل بين المجتمعات والأفراد حديث فـي الـوقـت الضائع؛ فعندما تغلب الخلافاتُ بين الأفراد عناصرَ الائتلاف، ويطغى منهج تصفية الحـسـابـات الشخصية على الإحساس بالمسئولية، وتعلو الاعتبارات الضيقة الخاصة على الاعـتـبـارات العامة، فلا مكان هناك للوحدة. وإذا عجزنا عن تحقيق الأخوة والمحبة بين الأفراد فـنـحــن عن بناء الوحدة بين الأمة أعجز، وعن إرساء مشروع متكامل للتضامن أبعد.
يجب أن نسأل أنفسنا أولاً:
- هل نحن نحب للمسلمين ما نحب لأنفسنا، ونكره لهم ما نكره لأنفسنا؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
- هل نحن نعفو ونصفح عن هنَات المسلمين ونشفق عليهم، ونسعى لقضاء حوائجهم وستر عــوراتهم كما أمر ربنا - جل وعلا -: ((خُذِ العَفْوَ وَاًمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ))
[ الأعـــراف: 199]، وقال: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِـينَ)) [الحجر: 88]، وكما قال -صلى الله عليه وسلم-: (الـمسـلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عـــــن مـسـلـم كــربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)
- هل نحن قمنا بإصلاح ذات البين بين المسلمين؟ وهل نشـعـر بآلامهم وأحزانهم؟ كما قال - سبحانه -: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)) [الأنـفـال: 1]، وقال: ((إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)) [الحجرات: 10]، وكـما قال -صلى الله عليه وسلم-: (كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فـيـه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة)، وقال - عليه الصلاة والسلام -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحـمـهــم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحـمى).
- هل نحن تركنا التباغض والتقاطع والتدابر والتحاسـد كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا تباغضـوا ولا تحاسـدوا ولا تدابروا ولا تقاطعـوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).
- هل تركنا سوء الظن بالمسلمين، كما قال - تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ)) [الحجرات: 12]؟
- أليس فينا من يحتقر المسلمين ويبغي عليهم ويسخر منهم ويظهر الشماتة بهم متجاهلاً قول ربه - سبحانه -: ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ)) [الحجرات: 11]، وقوله: ((إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِ)) [الشورى: 42]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)(6). وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تظهر الشماتة لأخيك؛ فيرحمه الله ويـبـتـلـيـك)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله - تعالى - أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يـبـغـي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد).
- أليس فينا من يرمي أخاه المسلم بالبذاءة والفحش والفسق مخالفاً قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسق أو الكفر). وقوله - عليه الصلاة والسلام -: (ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء).
- أليس فينا من يثير النعرات القومية والعصبيات القبلية والدعوات الجاهلية متناسياً قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس منا من ضرب الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية).
- أليس فينا من لا يرد عن عرض أخيه المسلم، ولا يتورع عن ذكره بما لا يحب وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مـتن رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
وأورد ابن كثير أن سـفـيـان الواسطي ذكر رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية فنظر إليه وقال: أغزوتَ الروم؟ قال: لا. قـــــال: السّنْدَ والهندَ والتركَ؟ قال: لا. قال: أفسَلِمَ منك الـروم والسند والهند، ولم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال: فلم أعد بعدها - يعني إلى عيب أحد.
هذه بعض معوقات الأخوة الإسلامية التي يجب إزالتها وإحلال المحبة والتعاون والتكافل والإيثار محلها حتى تكون العلاقة بين المسلمين مثل علاقة أجزاء الجسد الذي يتأثر كله بشكوى بعضه؛ كما قال -صلى الله عـلـيـــه وسلم-: (مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى)(15).
وبه تُحَقّقُ الوحدة بين المسلمين بإذن الله. والله الموفق.

المصدر- منقول مع زيادة وتصرف من كتاب – معوقات الأخوة الإسلامية – د. محمد طاهر حكيم