إن  من أوئل ما تعلمناه في دعوة الإخوان المسلمين ومن القيم الرائعة وصل القلوب ببعضها رغم بعد أماكنها  فتعلمنا " ورد الرابطة "ولا شك أن بين القلوب إشارات، وبين الأرواح علامات، «والأرواح جنود مجندة»؛ كما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ.

وكما هو معلوم: أن الاتصال قد يكون مادياً حسياً، وقد يكون معنوياً شعورياً؛ ومن هنا كان للقلوب والأرواح لغة تربط بين أصحابها.

ولك أن تتأمل فى كلام الإمام حسن البنا – رحمه الله؛ وقد كتب في صيغة أحد الأوراد والأدعية وهو (ورد الرابطة)، حيث يذكر فيه «اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك»، تجده ذكر (اجتمعت)، (التقت)، والطبيعي في الاجتماع والالتقاء أنهما من أفعال الأبدان، ولكنه أوردها هنا وجعلها من أفعال القلوب. فما سر ذلك؟

نعم.. الأصل فى الاتصال واللقاء أن تلتقي القلوب فى حضور الأبدان؛ لأنه لا فائدة من لقاءات الأبدان والقلوب بعيدة والمشاعر باردة والأرواح متنافرة.

نعم.. إنه الوصال الحقيقي والاتصال الفعلي؛ بعيداً عن المظاهر المادية الجوفاء، أو الأشكال الإدارية الصماء.

ومما ذكره الإمام ابن القيّم – رحمه الله – فيما يتعلق بأشكال اللقاء وثمار الوصال أنه قال: «الاجتماع بالإخوان قسمان:

أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ فهذا مضرّته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.

ثانيهما: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيها ثلاث آفات: الأولى: تَزَيُن بعضهم لبعض، الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة، الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود.

وبالجملة؛ فالاجتماع والخلطة لقاح، والنتيجة مستفادة من اللقاح، فمن طاب لقاحه طابت ثمرته، وهكذا الأرواح الطيّبة لقاحها من الملك، والخبيثة لقاحها من الشيطان، وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين، والطيبين للطيبات وعكس ذلك».

دققوا معي فى مفهوم الوصال عند أوَيس القَرني – رَحمه الله – حين قال له رجل يوما: «صِلنا يَا أُويس بِالزَّيَارة» فَقال له أويس:

«قَد وَصلتُك بِما هُو خَير مِن الزيارة واللقاء وهُو الدُّعاء بِظُهر الغَيبْ، إنَّ الزَّيارة واللقَاء يَنقطِعان والدُّعاء يَبقى ثَوابُه».

نعم.. نريد الزيارة واللقاء؛ ونريد الوصال والدعاء؛ حيث تظل القلوب مربوطة والمشاعر موصولة وإن تفرقت الأبدان وباعدت بيننا الأماكن والبلدان.

إنها الروح التى تسرى في قلوبنا وأجسادنا؛ فنحيا بها في ظلال القرآن.

دققوا معي النظر في حال الرعيل الأول من صحابة رسول الله ﷺ، والذين استقوا هذه المعاني وأُشربت نفوسهم وقلوبهم بهذه المشاعر والعواطف من الرحمة المهداه والنعمة المسداة ﷺ، فمما يروى عن سيدنا أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – أنه كان يقضي يومه كله مع أخيه ورفيقه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حتى الليل، ثم عندما يراه أبو بكر في صلاة الفجر، كان يحتضنه ويقول: «يا لبعده من لقاء وما أطولها من ليلة».!! عجيب أمر هذه القلوب التى تسعد باللقاء وتتشوق للقاء.

ختاماً أيها الأحبة: إن القلوب رغم البعد تتصل، وإن الأرواح مع الإخاء تأتلف، فلنتذكر دائمًا هذه الصلة الربانية، والرابطة النورانية، التي ربطت بين قلوبنا من غير أرحام بيننا.

فقلوبنا رغم الفراق اجتمعت، ورغم البعاد التقت، وتأملوا في: (اجتمعت) و(التقت)، فرغم أنهما من أفعال البدن، إلا أن المقصود هنا اجتماع القلوب ولقاء المشاعر وإن تباعدت الأوطان وتفرقت الأبدان.

تذكروا في هذا الدعاء (ورد الرابطة) كل حبيب بشخصه وهيئته وحاجته، ولا تنسوا قادتكم فإنهم رمز فكرتكم وحملة لواء دعوتكم.