أشرف الفار

ليس لدى العاقل وقت يضيعه، فما زالت الأهداف تنتظر، ما زالت العيوب تنتظر، ما زالت الفضائل تنتظر، ما زال العاقل مطالَبًا من كل زاوية من زوايا الحياة بشيء، كلما استجاب لواحدة نادته أختها، كلما حقق هدفًا توالدت أهداف، كلما أصلح عيبًا تكشفت له عيوب، كلما حاز فضيلة اهتدى لأخواتها، فليس لدى العاقل الموفق وقت يضيعه.

فيا عجبًا ممن يبعثر حياته فى التفاهات، ينفق عمره من غير طائل، يضيع منه اليوم تلو اليوم ولا يحوز من ذلك خيرًا، فلا دنيا أصاب ولا دينًا. تنقضى ساعاته الأربع والعشرون، فلا يقرأ قرآنًا، ولا يطالع كتابًا، ولا يتعلم جديدًا، ولا يتقرب إلى الله بطاعة، ولا يتزكى!

فإذا سألته: فيم أنفقت يومك؟ سمعت عجبًا. يا حسرة على الأوقات وتضييعها! يا حسرة على الأعمار وخسارتها، يا حسرة على الحياة! حين تصبح بلا ثمن، بل، تصبح خسارة على صاحبها. 

حين تهدر نعمة الله عليك، حين تشرق عليك شمس يوم جديد، على عملك شهيد، فلا يجد لك عملًا، ولا يشهد لك بخير، حين تقابل نعمة الله عليك بالجحود، يمد لك الله فى عمرك، ويؤجلك يومًا جديدًا، يمنحك فيه آلاف الدقائق، ١٤٤٠ دقيقة فى اليوم! نعم، ألف وأربعمائة وأربعون دقيقةً فى اليوم.

فهل لنا أن نحاسب أنفسنا؟ كم دقيقة نقضيها مع القرآن؟ وكم دقيقة نقضيها فى الدعاء؟ وكم دقيقة للعيوب نكتشفها ونعالجها، وكم دقيقة للأرحام؟ وكم لنتعلم، وكم لنبلِّغ الخير الذى علمنا الله؟ وكم لأصحاب الحقوق؟ وكم .... ؟ وكم .....؟ ولكن الأهم كم منها يضيع فيما لا طائل من ورائه؟ 

لمثل هذا كان من صفات المؤمنين {والذين هم عن الغو معرضون} فلا يجتمع الإيمان الحق مع اللغو والعبث، لا يجتمع الإيمان الحر، الإيمان الهادر، الإيمان اليقظ فى القلوب، الإيمان الذى يملأ القلب بحقائقه، ويملأ النفس بروعته، ويسيطر على المشاعر والعقول، لا يجتمع هذا الإيمان الصحيح مع تضييع العمر، والانشغال بالتفاهات، (إن الله يحب معالى الأمور ويكره سفسافها) 

فالمؤمن كيس فطن؛ فهو العاقل، إن لم يكن هو أكمل الناس عقلًا، وأشدهم بعقله انتفاعًا، هذا المؤمن الكيس الفطن العاقل الحكيم يعرف للوقت قيمته، ويدرك خطورة ضياعه سدى، يعلم قدر الخسارة من ضياع ساعة واحدة، فما الحال من ضياع أيام وأيام؟ 

المؤمن من صفاته الإعراض عن اللغو بنص هذه الآية الكريمة من صدر سورة المؤمنون، فالإعراض عن اللغو من صفات المؤمنين، تتجاور مع صفة الخشوع في الصلاة، بل هي الصفة التالية لها مباشرة! وكأنها إِشارة قرآنية كريمة لطريق تحقيق هذه الصفة الأساس؛ فإحسان الصلاة، وإتمام ركوعها وسجودها، وتحقيق الخشوع فيها لله رب العالمين لهو خير معين للمؤمن على أن يتحلى بكل صفات المؤمنين.

والإعراض عن اللغو صفة تسبق- فى صفات المؤمنين حسب ترتيب الآيات- {الذين هم للزكاة فاعلون} {والذين هم لفروجهم حافظون} {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} {والذين هم على صلواتهم يحافظون}. فالإعراض عن اللغو يلى الخشوع فى الصلاة، ويترتب عليه كل الخير الحاصل للمؤمن فى سيره إلى الله- عز وجل- فالإعراض عن اللغو وحسن استثمار الوقت هو مادة تزكية النفوس، ورأس مال الإنسان فى تحصيل الكمالات والتنزه عن المعايب، فلا عجب أن جاءت التزكية وحفظ الفروج وأداء الأمانات والمحافظة على الصلوات- جاءت كل هذه الصفات والفضائل تالية للإعراض عن اللغو، فمن لم يعرض عن اللغو، ضاعت حياته، وعجز عن تغيير نفسه، واستحال عليه اكتساب الفضائل.

فالمؤمن مشغول بالحق والخير على مدار يومه وليلته، لا تراه إلا مجاهدًا لنفسه، ساعيًا لمرضاة ربه، عابدًا، عالما، متعلمًا، مؤديًا للحقوق، ليس لديه وقت يضيعه.