فتحي السيد

إن طريق الدعوة لابد أن تكون ملامحة واضحة أمام الأخ الداعية والرؤية مبصرة لما يقدم عليه من عمل في سبيل الله ونشراً لدعوته  يقول الإمام الشهيد حسن البنا في بداية رسالة – دعوتنا – تحت عنوان (مصارحة)

إذ إننا نحب أن نصارح الناس بغايتنا، ونجلي أمامهم منهاجنا، وأن نوجه إليهم دعوتنا في غير لبس ولا غموض، أضوأ من الشمس، وأوضح من فلق الصبح، وأبين من غرة النهار، وإذا كان ذلك من حق الناس علينا فهو في حق الصف أولى.

نحن ندعو الناس إلى مبدأ، مبدأ واضح محدود مسلم به منهم جميعًا، هم جميعًا يعرفونه، ويؤمنون به، ويدينون بأحقيته، ويعلمون أن فيه خلاصهم وإسعادهم وراحتهم، مبدأ أثبتت التجربة وحكم التاريخ صلاحيته للخلود وأهليته لإصلاح الوجود، والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم على حين أنه إيمان مشتعل قوى يقظ في نفوس الإخوان المسلمين.

– أن الطريق طويلة، متعددة المراحل، كثيرة العقبات، عظيمة التضحيات، ولذلك تحتاج منا إلى العمل الجاد والصبر ومواصلة السير. وأن التدافع عليها بين الحق والباطل له جولات، فيها المد والجزر، وفيها الانتشار والانحسار.

ومن ضرورات السير على طريق الدعوة؛ اليقين بأن الحق غالب وأن الباطل زاهق، والثقة رغم وعورة الطريق وكثرة العقبات وعِظم التضحيات أن الله ناصر جنده ومُظهر دينه ودعوته. ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. (الصافات : 171-173)

– أن الثبات على مبادئ دعوة الحق، وعدم الانحراف عن طريق الحق، والاعتداد بمواقف الكرامة والشهامة – مهما تعاظمت الخطوب وبلغت المِحنة مبلغها – هو نصر المرحلة، وما النصر إلا صبر ساعة، فاثبتوا فإن النصر مع الصبر.

– أن هذا الضيق الشديد سيتبعه فرج من الله عميم، وستخرج الدعوة من هذا البلاء – طاهرة ظاهرة نقية – خروج السيف من الجِلاء، وستتحول هذه المحن إلى منن، ولن تتوقف قافلة الدعوة الربانية الشاملة، وستُبحر سفينتها رغم الامواج العاتية إلى شاطئ التمكين لهذا الدين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. هذا وعد الله الحق، (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا). ومن عنده شك في ذلك فليراجع قلبه ويُجدد إيمانه.

– أنه فى خضم المحنة، وبلوغ القلوب الحناجر، والملاحقة والتضييق والحرب على الدعوة والدعاة، وعلو الباطل فى الأرض وانتفاشة المبطلين؛ فلا ينبغي أن نغفل البشائر والآمال مع هذه الآلام، وهي – بحمد الله – كثيرة تدل على أن العاقبة للتقوى؛ وأن النصر آتٍ لا محالة كما ثبتت الآثار النبوية والوعود القرآنية.

ولئن كانت بشائر النصر تترى مصدقة الوعود الشرعية؛ فإن علينا أن نتفاعل معها ببذل المزيد من الأسباب الشرعية والكونية والمادية؛ كالاستقامة على منهج الله، واستفراغ الوسع وبذل الجهد، ووحدة القلوب وتلاحم الصفوف. وعندئذ نتعبد إلى الله بانتظار فرجه وتحقيق وعده، (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا).

ويقول  الأستاذ مصطفى مشهور – رحمه الله -  وقد ينجح الأخ فى امتحان الشدة والابتلاء ويظن أنه صار فى نجاة من الفتن ، ولكنه قد يرسب حينما يتعرض لفتنة الدنيا ومتاعها ، فلنكن على حذر من ذلك ، ثم إن أعداء الله جعلوا محاولة الفتنة بالدنيا و المناصب وغير ذلك من وسائل حربهم لأصحاب الدعوات بالإضافة للفتنة بالإيذاء و التعذيب ، ونجدهم فى ذلك يخدعون من يغرونهم بذلك بأن فيه دعم وتمكين للعمل الإسلامى ، وإنهم لكاذبون .انتهى كلامه

وقد عاش رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم حياته فى شظف من العيش - ولو أراد لكان أرغد الناس عيشاً - ولكن ليضرب لنا المثل في الزهد و التعالي على أعراض الدنيا وإيثار ماعند الله فالدنيا ليست دار مستقر ولا دار نعيم ، وكثيراً ما يدعو الرخاء الى الاسترخاء و التثاقل الى الأرض ، وعلى طريق الدعوة جعلنا رائدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنقتدى به ولنحذر فتنة الدنيا .

لكن ما هو واجب الوقت الذي نحن فيه؟

أولاً: لا شك أن استشعار الداعية إلى الله بأننا في شدة وضيق يجعله يستنفر الطاقات الموجودة في نفسه، وذلك أن تصرف الإنسان الذي يشعر أنه على سريره مستريح، ليس كتصرف الذي يشعر أن السفينة توشك أن تغرق وأن هناك خطرا جاثما، وأن بين الغرق والنجاة لحظات معدودة؛ فإذا استطعت أن تدرك قارب النجاة وإلا أدركك الغرق. فالخطر كبير وجاثم على النفوس، والفرق بين النجاة وبين الهلاك لحظات، تبذل فيها كل طاقتك وجهدك وإلا جاءتك الأمواج العاتية، أمواج الفتن والضلالات، أمواج الحصار التي تحاصر الدعوة  من كل جانب.

لذلك أقول إن المهمة الأولى أن نشعر أننا فعلاً في أزمة، وأن هذه الأزمة تقتضي منا بذل غاية الجهد، ليس بعضه، بل لابد أن نبذل كل ما عندنا بالكامل. فالأمر خطير جد خطير.

مع الثقة والتسليم الكامل أنَّ يدا الله تعمل في الخفاء فهو حامي دينه وناصر أولياءه  وندرك أن الحق لا يختلف والأصول ثابت ويعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال وأنَّ التغييرغير التحوير والثوابت غير المتغيرات هكذا تسلم دعوتنا ويسلم السير في طريقها .

يقول الأستاذ مصطفى مشهور – رحمه الله : تحت عنوان  (دورنا البنَّاء على درب الفلاح )
وضوح الرؤية من الأمور الضرورية التي يجب لأولئك الذين أنعم الله عليهم فجعلهم من العاملين لرفعة الإسلام: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)). سورة يوسف

إن وضوح هذه الرؤية هو الكفيل بتحديد ميدان المعركة الرئيسية وسط ميادين المعارك الثانوية )وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا(.. (البقرة : من الآية 217) وهو الكفيل بترجيح منهج للتغيير من بين المناهج إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعندما نختص فترة من الزمان فإن وضوح الرؤية خلالها لا يكتمل إلا بمعرفة طبيعة المرحلة وحقيقة المعركة وإدراك حجم التحديات التي تواجهننا وتبين جوهر الرسالة الذي يميز هذه الفترة بالذات ومنهج التغيير الذي يميزنا عن غيرنا، ثم باستيعاب الأدوار التي يلزم أن نؤديها ومعرفة نقطة الوصول التي نسعى إليها أو حالة النجاح في هذه المرحلة مع إدراك حالات النصر ومعنى التمكين التي لو تحققنا بها خلال فترة من الزمن لكنا من الموفقين في مسعانا بفضل الله عز وجل..

وهذا ما نرجو الله تبارك وتعالى أن يوفقنا إلى بيانه.....اللهم أرنا نور الحق واجعلنا من أتباعه، وثبتنا عليه حتى الممات اللهم آمين .