جاء الإعلان عن التشكيلة النهائية للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة في لحظة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها اعتبارات وقف إطلاق النار مع تعقيدات المشهد السياسي والأمني والإنساني.

فاللجنة لا تولد في سياق طبيعي لإعادة بناء النظام الإداري، بل في بيئة منهكة بفعل الحرب، وانهيار البنى المؤسسية، وتضييق صهيوني متواصل، واشتراطات دولية تحاول إعادة هندسة الواقع الفلسطيني تحت عناوين إنسانية.

 

وبالرغم من الترحيب الفلسطيني الذي حظي به تشكيل اللجنة، لا سيما من حركة حماس وعدد من الفصائل، باعتبارها خطوة تسهم في التخفيف عن المواطنين وفتح مسارات للحل في هذه المرحلة الحساسة، إلا أن هذا الترحيب بقي محكومًا بسياق الضرورة والواقعية السياسية، أكثر من كونه تعبيرًا عن توافق وطني شامل حول طبيعة اللجنة وصلاحياتها.

 

ويعكس هذا الموقف إدراكًا عامًا لحجم الكارثة الإنسانية وخطورة استمرار الفراغ الإداري، ما دفع مختلف الأطراف إلى التعامل الإيجابي مع اللجنة كأداة مرحلية لإدارة الواقع، لا كحل نهائي للأزمة السياسية القائمة.

 

عناصر النجاح

 

وقال الكاتب علاء الريماوي إن تشكيل اللجنة الحكومية في قطاع غزة جاء بعد مخاض طويل يمثل إشارة واضحة إلى الدخول في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن الترحيب الفلسطيني بها لا ينفصل عن الحاجة الملحّة التي فرضتها الظروف الإنسانية والإدارية المتدهورة في القطاع.

 

وأضاف الريماوي في تصريح صحفي أن اللجنة تمتلك بعض عناصر النجاح، أبرزها قدرتها على العمل فلسطينيًا باعتبارها استجابة لاحتياج فعلي وطارئ، في ظل غياب بدائل واقعية قادرة على إدارة شؤون القطاع في هذه المرحلة.

 

وأشار إلى أن وجود إرادة دولية داعمة لعمل اللجنة يمنحها قبولًا شبه إجباري بين أطراف التأثير الفلسطينية، ما قد يحدّ من محاولات تفجيرها سياسيًا في المدى القريب.

ورأى أن تركيبة اللجنة الجغرافية قد تسهم في خلق مستوى مقبول من التوافق داخل قطاع غزة، حتى وإن لم يكن توافقًا كاملًا، لافتًا إلى أن البعد الإنساني والاقتصادي يشكّل المدخل الأوسع لتحقيق إنجازات سريعة، عبر أي تدخل إغاثي أو إنساني يلامس احتياجات الناس المباشرة.

 

عوامل الفشل

في المقابل، حذّر الريماوي من أن عوامل الفشل تبدو أكثر تأثيرًا، موضحًا أن المرجعية الدولية ستُحدث تباينًا عميقًا بين متطلبات الحالة الوطنية الفلسطينية والإرادة الدولية، بسبب اختلاف الأهداف والمخرجات المتوقعة من عمل اللجنة.

وأضاف أن اللجنة قد تدخل في أزمة هوية سياسية، حين تكتشف الأطراف الفلسطينية أن آليات عملها لا تخضع فعليًا لتوجيهها، بل لسقوف وضغوط دولية، ما يفقدها جزءًا من شرعيتها الوطنية.

كما أشار إلى أن تعقيد الملفات المطروحة أمام اللجنة، إلى جانب الجغرافيا السياسية المعقدة لغزة، سيخلق معيقات

ميدانية وإدارية يصعب تجاوزها، خاصة في ظل الموقف الإسرائيلي الذي سيحدّد عمليًا حدود الحركة والإنجاز.

 

الاحتلال والفيتو الأمريكي

 

بدوره، قال المحلل السياسي عادل شديد إن نجاح اللجنة الحكومية أو فشلها يبقى مرتبطًا أولًا وأخيرًا بسلوك الاحتلال والموقف الأمريكي الداعم له، متسائلًا عمّا إذا كان تشكيل اللجنة سيتبعه عمليًا فتح للمعابر، وإدخال منتظم للمساعدات، وبدء عملية إعمار حقيقية، إلى جانب انسحاب الاحتلال من قطاع غزة الذي لا يزال يشهد وجودًا عسكريًا فاعلًا.

 

وأضاف شديد في تصريح صحفي أن هذه الخطوات تشكّل المدخل الوحيد لنجاح اللجنة أو فشلها، مؤكدًا أن الاحتلال يعمل في المقابل على إعداد رواية سياسية وإعلامية لتحميل حركة حماس مسئولية أي تعثر مرتقب، عبر اتهامها بإعاقة عمل اللجنة وعدم التعاون معها.

وأوضح أن هذا المسار يهدف إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية، والإبقاء على أن تكون يد الاحتلال هي العليا، بوصفها الطرف المتحكم فعليًا في تفاصيل المشهد الميداني والإنساني في قطاع غزة.

 

وأشار شديد إلى أن القراءة العامة لما يجري تؤكد غياب أي مصلحة أمنية حقيقية لدى الاحتلال بإنهاء الحالة القائمة في غزة، لافتًا إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته يسعيان إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه، في ظل وجود تأييد داخلي صهيوني واسع لسياساته المتعلقة بالقطاع، ما يزيد المشهد تعقيدًا ويضع قيودًا إضافية أمام أي محاولة استقرار حقيقية.

كيان انتقالي

من جهته، قال الكاتب محمد هلسة إن التعامل مع اللجنة الحكومية يجب أن يتم بوصفها كيانًا انتقاليًا محدود الصلاحيات، لا حكومة فعلية، معتبرًا أن المبالغة في التوقعات ستؤدي سريعًا إلى خيبات أمل وصدامات داخلية.

 

وأضاف هلسة في تصريح له أن تركيبة اللجنة الجغرافية والاجتماعية قد تمنحها قدرًا من القبول الشعبي داخل القطاع، موضحًا أن الشرعية الاجتماعية في غزة، خصوصًا بعد الحروب، تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من الشرعية السياسية الرسمية.

ورأى أن المدخل الإنساني هو المساحة الوحيدة شبه الآمنة أمام اللجنة، حيث يمكنها تحقيق نجاحات تكتيكية عبر تحسين توزيع المساعدات، وتنظيم العلاقة مع المؤسسات الدولية، وإعادة ضبط الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

 

لكنه حذّر من أن غموض الهوية السياسية للجنة يشكّل الخطر الأكبر على مستقبلها، متسائلًا عمّا إذا كانت لجنة فلسطينية بقرار وطني، أم هيئة تنفيذية ضمن هندسة دولية – صهيونية.

وأضاف أن هذا الغموض قد يؤدي إلى فقدان الثقة الشعبية، وفتح باب الخلافات مع الفصائل، وربما استقالات داخلية تعكس عجز اللجنة عن الموازنة بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.