قالت الناشطة الفلسطينية فرحة أبو الهيجاء، إن مخيم جنين بالضفة المحتلة تحول إلى ثكنة عسكرية مغلقة، بعد نزوح نحو 17 ألف فلسطيني وإخلائه تماما من سكانه، جراء العدوان الصهيوني المتواصل منذ أكثر من عام.
ومنذ 21 يناير2025 يواصل جيش الاحتلال عملية عسكرية شمالي الضفة الغربية أطلق عليها اسم "الجدار الحديدي"، بدأت في مخيم جنين، ثم توسعت إلى مخيمي نور شمس وطولكرم.
وتفرض قوات الاحتلال حصارا على المخيمات الثلاثة، مع تدمير واسع للبنية التحتية والمنازل والمتاجر، ما أدى إلى نزوح نحو 50 ألف فلسطيني من المخيمات الثلاثة، وفق معطيات رسمية.
وفي مقابلة مع الأناضول، تفيد أبو الهيجا وهي عضو لجنة خدمات مخيم جنين بأن الاحتلال دمر أكثر من 800 منزل بشكل كلي وجزئي، وأحرق أخرى، ودمر كامل البنية التحتية والمؤسسات في المخيم.
وتذكر أن عمليات الهدم والحرق متواصلة بشكل يومي في المخيم الذي هُجّر أكثر من 17 ألف من سكانه في ظروف معيشية ونفسية قاسية.
وتوضح أبو الهيجا أن جيش الاحتلال شرع خلال العملية العسكرية في تعبيد شوارع جديدة داخل المخيم على أنقاض منازل الفلسطينيين، "في تغيير جغرافي خطير، لما يحمله من مؤشرات على إعادة تشكيل المخيم وطمس معالمه الأصلية”.
تأتي هذه التطورات ضمن تصعيد صهيوني مستمر في الضفة الاحتلال منذ أكثر من عامين، تخللته عمليات اقتحام واعتقال واغتيال، بالتزامن مع حرب الإبادة الجماعية التي بدأت بقطاع غزة في 8 أكتوبر 2023 واستمرت عامين.
وتقول أبو الهيجاء إن النزوح كان الأصعب على الفلسطينيين في مخيمات شمال الضفة "حيث تفرقت العائلات بين قرى وبلدات وأحياء مدينة جنين، في ظروف معيشية ونفسية قاسية".
وتشير إلى أن النازحين فقدوا منازلهم وأعمالهم وتشتت أسرهم، وحرم جزء كبير من الأطفال من التعليم المنتظم ما ألحق ضررا بالغًا بالعملية التعليمية.
وتلفت إلى وجود محاولات جزئية لإنقاذ الطلبة عبر توفير حافلات لنقلهم من أماكن النزوح إلى مدارس مستضيفة في القرى والبلدات المجاورة، "إلا أن الواقع التعليمي ما زال هشًا ومتضررًا بشكل كبير".
وتصف فرحة أبو الهيجاء الأوضاع النفسية للنازحين بأنها "صعبة للغاية"، قائلة إن "الفلسطينيين اليوم يعيشون بلا حلم أو هدف أو أفق، بعد أن فقدوا ذكرياتهم وتاريخهم وارتباطهم اليومي بالمخيم".
وتردف قائلة إن سكان المخيم يشتاقون لأدق تفاصيل حياتهم، مؤكدة أن هذه التفاصيل ما تزال حاضرة في وعي الأطفال قبل الكبار.
وتنوه أبو الهيجاء بحالة الصمود بين النازحين، وبقناعتهم الراسخة بعودتهم إلى المخيم، معتبرة أنه محطة انتظار مؤقتة إلى حين تحقيق العودة الكبرى إلى مدنهم وقراهم في الأراضي التي احتلت عام 1948.
رفض التعويض أو البدائل
وفيما يتعلق بالتغيير الجغرافي الذي طال المخيم، تحذر فرحة أبو الهيجاء من أن هدم المنازل وفتح الشوارع الواسعة سيحول دون عودة كثير من السكان إلى بيوتهم، مشيرة إلى أنه حتى الآن لا توجد أي حلول مطروحة لمصير العائلات التي دُمّرت منازلها.
وتضيف: "الناس لا تريد تعويضًا ولا مكانًا بديلاً، القرار النهائي هو العودة إلى أي بقعة في المخيم"، مشيرة إلى تجربة العام 2002 حين دُمر المخيم وأعيد بناؤه بعد أشهر، وهو ما يرفض الاحتلال تكراره اليوم، وفق أبو الهيجا.
وتؤكد أنه لا توجد رؤية أو حلول سياسية حقيقية، داعية إلى ضغط دولي عاجل يسمح بعودة النازحين، "حتى لو عبر حلول مؤقتة كالسكن في خيام أو بيوت متنقلة داخل المخيم".
كما تحذر فرحة أبو الهيجاء من أن ما يجري يتجاوز البعد الأمني، ليطال جوهر قضية اللاجئين، مشيرة إلى أن استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وتقليص خدماتها أو تجميدها، يأتي في سياق محاولة إنهاء صفة اللجوء.
وتوضح أن المخيمات ليست مجرد تجمعات سكنية بل عنوان لقضية سياسية وتاريخية، مؤكدة رفض أي محاولات لاستبدال "الأونروا" أو شطب دورها، باعتبارها الشاهد الدولي على نكبة الشعب الفلسطيني.
وتضيف أن "الشروط الإسرائيلية التي تربط عودة السكان بوجود شهداء أو أسرى داخل المخيمات مرفوضة جملة وتفصيلًا".
وتشدد على أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بأي حل ينتقص من حق العودة، بدءًا من العودة إلى مخيم جنين ومخيمات الشمال، وصولًا إلى العودة إلى أراضي العام 1948.
وتعد المخيمات ومن بينها مخيم جنين أحد أبرز رموز قضية اللاجئين الفلسطينيين، إذ يضم آلاف اللاجئين الذين هُجّروا من مدنهم وقراهم في أراضي عام 1948، ولا يزال يشكل عنواناً مركزياً لحق العودة في الوعي الفلسطيني.