لم يعد شهر رمضان في قطاع غزة موسماً للاحتفاء كما كان، بل تحوّل إلى اختبار يومي لقدرة العائلات على تدبير الحد الأدنى من الطعام في ظل واقع إنساني واقتصادي هو الأشد قسوة منذ عقود.

 

فالسفرة التي ارتبطت تقليدياً بمعاني الكرم ولمّ الشمل، أصبحت اليوم مرآة دقيقة لحجم التحوّل الذي أصاب تفاصيل الحياة، من شكل البيوت إلى مضمون المائدة.

 

في أحياء النزوح الممتدة على طول القطاع، تتبدل صورة الإفطار، خيام متلاصقة تحلّ محل المنازل، وموائد بلاستيكية بسيطة مكان السفر العامرة، وأحاديث لا تدور حول تنويع الأطباق بقدر ما تنشغل بسؤال واحد: كيف يمكن تأمين وجبة تكفي حتى اليوم التالي؟

قلق يتقدّم على الطقوس

 

قبل الحرب، كان الاستعداد لرمضان يبدأ مبكراً. الأسواق تعجّ بالمتسوقين، قوائم المشتريات تُعدّ بعناية، والبيوت تُهيّأ لاستقبال الضيوف. اليوم، تراجعت تلك الطقوس أمام أولوية البقاء.

 

يقول أحمد أبو جربوع النازح من رفح إلى دير البلح، إن سفرة رمضان لم تعد مساحة للفرح، بل "رحلة كفاح يومية".

 

ويوضح: "أستيقظ كل صباح وأنا أفكر ماذا سنأكل عند المغرب. لم يعد الحديث عن أصناف وأطباق، بل عن وجبة تُبقي الأطفال صامدين حتى السحور".

كان أبو جربوع يملك محلاً لبيع البقوليات في رفح، يوفّر له دخلاً مستقراً. لكن المحل دمرته حرب الإبادة، كما دُمّر منزله.

 

ويضيف: "كنا نجلس إلى مائدة فيها ما تيسر من لحوم أو دجاج أو حلويات. اليوم نعتمد في معظم الأيام على معلبات تصلنا ضمن طرود غذائية. الفارق ليس في عدد الأطباق فقط، بل في الشعور بالأمان الذي كان يرافقنا".

التكية… مصدر الإفطار

في غرب مدينة غزة، تعيش سهام مقداد مع أسرتها في خيمة قرب الميناء. زوجها مصاب ولا يستطيع العمل، والأسرة بلا مصدر دخل.

 

تقول إن التكية أصبحت ركيزة أساسية في تأمين الإفطار.، "نقف لساعات في طوابير الانتظار. أحياناً نحصل على وجبة، وأحياناً نعود بخيمة فارغة إلا من القلق".

 

تتحدث مقداد عن ضغط نفسي يفوق الجوع ذاته. "الأطفال يسألون عن أطعمة اعتادوا عليها في رمضان. أحاول أن أشرح لهم أن الظروف تغيّرت، لكن من الصعب أن تشرح لطفل معنى العجز".

 

وتقارن بين ما قبل الحرب واليوم قائلة إن تكلفة سفرة بسيطة تضاعفت مرات عدة، في وقت انعدم فيه أي دخل ثابت، ما جعل التفكير بشراء مستلزمات الإفطار أمراً شبه مستحيل.

 

سوق بلا قدرة شرائية

 

ورغم أن بعض الأسواق ما زالت تفتح أبوابها، إلا أن القدرة الشرائية تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة.

 

محمد هنية الذي فقد عمله في محل لبيع المرطبات بعد تدميره، يقول إن زيارة السوق باتت أقرب إلى جولة عابرة بلا هدف شرائي.

ويضيف أن الشعور بالعجز يتضاعف حين يسأله أطفاله عن أطعمة كانوا يعتبرونها جزءاً بديهياً من رمضان. "كنا نخطط للشهر ونوفر احتياجاته. اليوم ننتظر ما قد يصل من مساعدات".

 

اقتصاد منهك

 

لا يقتصر التحوّل على الجانب المعيشي الفردي، بل يعكس انهياراً أوسع في البنية الاقتصادية للقطاع.

 

آلاف المنشآت الصغيرة دمرها الاحتلال، ومصادر الدخل توقفت، فيما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بفعل شح المعروض وصعوبة إدخال البضائع.

 

وباتت غالبية الأسر تعتمد كلياً أو جزئياً على المساعدات الإنسانية، في مشهد يضع الكرامة الفردية في مواجهة الحاجة اليومية.

 

في هذا السياق، لم تعد سفرة رمضان مجرد طقس اجتماعي، بل مؤشراً حياً على مستوى الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وعلى حجم الفجوة بين الذاكرة والواقع.

 

مقاعد فارغة على المائدة

 

في كثير من البيوت، هناك أيضاً غياب لا يُعوّض. شهداء ومعتقلون ومفقودون، تركوا مقاعد فارغة حول المائدة.

 

تحاول العائلات الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر الشهر، لكن الصمت الذي يسبق الأذان أحياناً يكون أثقل من الجوع.

 

ومع ذلك، يصرّ كثيرون على إبقاء شيء من روح رمضان. قطعة زينة صغيرة على باب خيمة، شمعة تُضاء عند الإفطار، أو طبق يُرتّب بعناية رغم بساطته. يقول أبو جربوع: "قد لا نملك ما كنا نملكه، لكننا نحاول أن نحافظ على معنى الاجتماع".

 

في غزة، تغيّرت السفرة، وتقلّصت الأصناف، وغاب كثيرون عن مقاعدهم. لكن الإصرار على الجلوس معاً عند أذان المغرب، ولو حول مائدة متواضعة، يبقى شكلاً من أشكال التمسك بالحياة في وجه واقع ثقيل.