مجاهد ديرانية

هلك رفعت الأسد قبل أن يحاسَب في الدنيا على جرائمه وبعدما عاش حياة طويلة في نعيم ورخاء ظاهرَين فسأل الناس هذا السؤال، ولا بد أنّ غيرهم سأل السؤال نفسَه يوم هلك أخوه المقبور من قبل، ويسألونه وهم يَرَون الطاغية البائد سالماً مُنَعَّماً في منفاه اليوم، وأجزم بأن كثيرين سألوه في مَواضي الأيام مَرّاتٍ لا تُحصَى وكثيرين سيسألونه مرات لا تُحصى في الآتي من الأيام.

لن نعرف جواب هذا السؤال إلا إذا فهمنا الدنيا على حقيقتها. وما الدنيا؟ هذه الكلمة على وزن فُعلى، وهي مؤنثة الأفعل، وهو ما بلغ الغاية في بابه، فالجبل الأعلى هو الجبل الذي لا يوجد على الأرض جبل يَفوقُه ارتفاعاً، والبحيرة الكبرى هي البحيرة التي ليس في الأرض بحيرة أكثر اتساعاً منها. وهكذا فالحياة الدنيا هي الحياة التي لا تماثلها ولا تبلغ مبلَغها حياة في الدنوّ والمهانة.

هذه الحياة التي نعرفها إنما هي مرحلة من أربع مراحل يمتد وجودنا عبرها. الأولى هي حياتنا في عالم الذَّر، ولا نعرف عنها شيئاً سوى ما قرأناه في قوله تعالى :{وإذ أخَذَ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريَّتَهم وأشهدهم على أنفسهم}، فعلمنا أننا كنا في صورة ما في زمان مضى قبل أن نكون على الأرض في صورة البشر. الثانية هي حياتنا الدنيا على الأرض. الثالثة هي عالم البرزخ الذي تجتمع فيه الخلائق من آدم إلى قيام الساعة، والرابعة هي حياة الخلود في الدار الآخرة، في دار البقاء.

كم يعيش الواحد منا في الدنيا؟ سبعين أو تسعين؟ إنه إذا انتقل إلى البرزخ عاش فيه ما بقي إلى قيام الساعة، ففيه مَن مات قبل ألف عام وخمسة آلاف وعشرة آلاف، فما السبعون والتسعون في جنب ألف وآلاف؟ ثم ما الآلاف في جنب حياة خالدة بلا فناء؟

إن الدنيا هي أدنى هذه المراحل جميعاً وهي أقلها شأناً في ميزان الله. في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شَرْبة ماء". ما قال أن الدنيا أهون من بعوضة، بل أنها دون جناح البعوضة في الهوان. هذا هو وزن الدنيا الحقيقي في ميزان الله، وبهذا الميزان يزن الله -عز وجل- ما يُعطاه الخلق في الدنيا، الصالحون والطالحون منهم على السواء: {كُلّاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك}.

هنا نصل إلى جواب السؤال الذي بدأنا به: لماذا يمد الله في الأجل للظالمين ولا يعجّل بهلاكهم فيريح منهم العباد والبلاد؟ لن نجد الجواب في عقول البشر، إنما نجده في كتاب الله الكريم: {ولا يَحسَبَنَّ الذين كفروا أنّ ما نُملي لهم خيرٌ لأنفسهم، إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين}، {ولا تَحسَبَنَّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون، إنّما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}.

من آمن بالله حق الإيمان وملأ قلبَه اليقينُ الكامل لن يحزنه أن لا يشهد عقاب الطغاة الظالمين في الدنيا، لأنه يعلم علماً لا تَشوبه ذرّة شك أن العقاب آتٍ لا محالة، وأنه سوف يشهده مع ملايين الخلائق يوم تُنصَب موازين العدالة في دار الجزاء في يوم الدين، وكفى بهذا اليقين من عزاء.

المصدر: فيسبوك