همام الطوالبة

في الماضي، كانت الرؤية بالعين أعلى درجات اليقين، أما اليوم وفي ظل طفرة الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحقيقة الضحية الأولى، نحن نعيش في زمن يمكن فيه للآلة أن تصنع واقعاً موازياً؛ فتزييف الأصوات، وتركيب الصور، واختلاق الوقائع، أصبح يتم بدقة مذهلة تفوق قدرة العقل البشري المجرد على التمييز.

من هنا، لم يعد التفكير الناقد مهارة اختيارية، بل أصبح الدرع الفكري الأول الذي يجب أن نسلح به أبناءنا لحماية هويتهم من الاختراق، امتثالاً للمنهج القرآني الذي ذمّ التبعية العمياء في قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36).

وبصفتي مصلحاً أسرياً، أرى أننا بحاجة لتطوير خوارزمية العقل عبر المسارات المتسلسلة التالية:

أولاً: بناء المنهجية الذهنية (التأسيس):

يبدأ التفكير الناقد بالقدرة على الفرز الأولي للمدخلات، وهنا يجب تدريب الطفل على مهارتين أساسيتين، مع مراعاة عمر الطفل:

1- التمييز بين «الحقيقة» و«الرأي»: علِّم طفلك الصغير أن الحقيقة شيء ثابت (مثل: الشمس تشرق من الشرق)، أما الرأي فهو تفضيل شخصي أو وجهة نظر قابلة للخطأ (مثل: فصل الصيف أجمل فصول السنة، هذا المشهور هو الأفضل)، عندما يدرك الطفل أن كلام المشاهير أو المؤثرين هو مجرد رأي وليس حقيقة، سيمتلك مناعة تلقائية ضد التقليد الأعمى، وكما قال الشاعر:

وما كلُّ وجهٍ أبيضٍ بمباركٍ       ولا كلُّ جَفنٍ ناعسٍ بمُصيبِ

2- من تلقي المعلومة إلى استجوابها: علِّم طفلك ألا يكون وعاءً يمتلئ بكل ما يُسكب فيه، التفكير الناقد يولد من رحم الفضول، والخطوة الأولى تبدأ من رد فعلك تجاه أسئلته المحرجة أو الكثيرة، إذا سألك طفلك الصغير: لماذا يجب أن ننام مبكراً؟ تجنب إجابة لأنني قلت ذلك، بل اسأله: ماذا سيحدث لجسمك وعقلك لو سهرنا حتى الفجر؟ دعنا نبحث معاً.

أما إذا سألك ابنك المراهق فليكن الحوار أعمق حول السياق، تذكر أن لماذا هي السؤال الذهبي، وكما قيل: إنما العلمُ خَزائن، ومفاتيحُها السؤال، وتذكر أن المعلومة قد تكون صحيحة ولكنها مجتزأة لخدمة هدف معين.

ثانياً: امتلاك أدوات التحقق والتثبت (الدرع):

بعد تأسيس العقل على التساؤل، ننتقل لتزويده بأدوات الفحص العملية لمواجهة المحتوى الرقمي:

1- فن الشك المنهجي: الشك هنا لا يعني سوء الظن، بل يعني عدم التسليم بكل ما يُنشر، امتثالاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6)، يقول علماؤنا: إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل، درّب طفلك على قاعدة الثلاثية «المصدر، التاريخ، الهدف»، من هو الكاتب؟ متى نُشر؟ وماذا يريد منا أن نفعل؟

إن البحث عن المصدر والرجوع للجهات الموثوقة حائط الصد الأول ضد التزييف الرقمي، واليوم، نضف لهم مهارة البحث العكسي عن الصور للتأكد من أصالتها، وتعليمهم أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، غالباً ما يترك آثاراً رقمية غير منطقية في تفاصيل الصورة أو نبرة الصوت.

2- وعي الخوارزمية والتحرر من الفقاعة: اشرح لأبنائك أن المنصات الرقمية ليست محايدة؛ فهي مبرمجة لتعرض لهم ما يحبون لتبقيهم أطول فترة ممكنة (وهو ما يُعرف بـ«فقاعة التأييد»)، شجعهم على البحث عن الرأي الآخر لضمان نمو عقلي سليم لا يحصره الذكاء الاصطناعي في قالب واحد.

ثالثاً: الممارسة والقدوة (التطبيق الواقعي):

التفكير الناقد لا يُلقن، بل يُمارس ويُشاهد:

1- المربي هو النموذج: قبل أن تطلب من ابنك التثبت، كن أنت القدوة، لا تنشر خبراً في مجموعات العائلة إلا بعد التأكد منه أمامهم، الطفل يقلد فعل المربي قبل قوله.

2- المائدة كمختبر للحقائق: استثمر وقت العشاء لمناقشة قضايا عامة، (مثل: هل نمنع الهواتف في المدرسة؟)، واطلب منهم تقديم حجج مؤيدة ومعارضة.

3- لعبة كشف التزييف: اعرض عليهم خبراً منتشراً أو صورة مشكوكاً فيها، ودعهم يتسابقون في استخراج التناقضات المنطقية.

4- القاعدة الذهبية: لا تسخر أبداً من رأي طفل، بل قل: هذه زاوية مثيرة، كيف ستثبت صحة كلامك؟ اجعل الخطأ في التفكير فرصة للتعلم وليس للسخرية، فالمفكر الناقد العظيم هو من يمتلك الشجاعة ليقول: لقد انخدعت في البداية، لكنني الآن أرى الحقيقة، وكما قال الفاروق عمر رضي الله عنه: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

رابعاً: الحصن القيمي (الغاية الأخلاقية):

في نهاية المطاف، يبقى الذكاء العاطفي والأخلاقي ميزة الإنسان الكبرى، الآلة قد تغلبنا في سرعة المعلومات، لكنها لن تملك الحس النقدي الأخلاقي، علِّم طفلك أن يسأل دائماً: هل هذا الفعل إنساني؟ هل هو أخلاقي؟

لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من أن نكون إمعة، فقال: «لا تكونوا إمَّعةً، تقولون: إن أحسن الناسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم، إن أحسن الناسُ أن تُحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا» (رواه الترمذي)، عندما تكون القيم والمبادئ المعيار الثابت وسط عالم رقمي متغير، سيتمسك الطفل بهويته مهما بلغت قوة التأثيرات الخارجية.

رسالة إلى كل مربٍّ

إن دورنا اليوم ليس منع الأبناء من استخدام التقنية، فهذه معركة خاسرة، دورنا الحقيقي هو تشفير عقولهم بمهارات النقد والتحليل، إن غرس هذه المهارات قد يجعل طفلك متعباً في النقاش أحياناً، لكن تذكر دائماً: أن تربي طفلاً يناقشك اليوم بصوت العقل، خير من أن تربي شاباً ينقاد غداً خلف أول تيار جارف، نحن لا نريد أبناءً يطيعوننا طاعة عمياء، بل نريد أبناءً يتبعون الحق لأنهم أدركوه بعقولهم وقلوبهم.

المصدر: المجتمع