بقلم: رولا أديب السيد
ليس الإيمان حالةً تُلقَى في القلب إلقاءً، ولا فكرةً تُستنسخ بالوعظ المباشر، بل رحلة تبدأ حين تُدهَش الروح، فيسأل العقل، ويصحو القلب، ويتجاوز الإنسان حدود اليوميات الصغيرة إلى معنى أوسع للحياة. فالإيمان ليس خضوعًا عابرًا تصنعه الكلمات، بل مسارًا داخليًا يبدأ من بوابة الانبهار؛ تلك اللحظة التي يتوقف فيها القلب أو العقل أمام مشهد يهزُّ منطقه أو يوقظ وجدانه، ويدعوه إلى سؤالٍ يتجاوز المألوف واليومي.
فالتربية الإيمانية -في جوهرها- ليست تلقين معلومات، بل فنّ اكتشاف تلك البوابة التي يدخل منها النور دون مقاومة، البوابة الخاصة بكل طفل، والتي لا تتشابه بين اثنين.
فالناس -والأطفال قبلهم- يختلفون في مداخل الإيمان تبعًا لطبيعة أرواحهم ونفسياتهم: فمنهم من يسوقه النظام إلى المعنى؛ يرى في انتظام الكون سننًا حكيمة، فيخشع عقله قبل قلبه. ومنهم من تقوده الحركة والتجربة إلى الإيمان، يصدق ما يراه حيًّا أمامه أكثر مما يسمعه. ومنهم من يفتح الوجدان له الباب الواسع؛ يكفيه موقف رحيم أو شعور صادق ليلمس أثر الإيمان. ومنهم من توقَده الفكرة؛ يحتاج إلى المعنى خلف الأمر، لا إلى الأمر مجردًا.
وهكذا جاءت السيرة النبوية مدرسة ربانية تتعامل مع كل هذه الطبائع، وتدلّنا على أن التربية الإيمانية ليست نمطًا واحدًا، بل هندسة دقيقة تراعي اختلاف النفوس، وتدخل كل طفل من بوابته.
حين يرى النبي ﷺ ما وراء أسئلة الغلام
كان ابن عباس -وهو غلام- يتميز بذكاء لافت لا يحتاج إلى إعلان. كان يقرأ ما خلف العبارات، ويلاحظ ما يغيب عن انتباه غيره، ويطرح أسئلة تكشف أنه يبحث عن "كيف تعمل الأشياء"، لا "ماذا حدث فقط".
هذه اللمحات الصغيرة لم تكن تغيب عن عين النبي ﷺ؛ كان يرى لمعان التفكير في نظرته، وعمق الفهم في سرعة استجابته، وشغفه بأن يفهم الحكمة وراء كل أمر.
ولمّا آن أوان زرع المعاني الكبرى في عقله، لم يختر النبي ﷺ درسًا جماعيًا أو مجلسًا رسميًا، بل اختار لحظة حسّاسة تناسب طبيعة هذا الغلام؛ جعله رديفه على الدابة: قرب جسدي هادئ، ومشهد متحرك، وذهن متفتح يلتقط ما يُقال في الطريق كما يلتقطه في المجلس.
وهناك، وسط هذا الهدوء، قال له الكلمات التي أصبحت بابًا لعلوم الأمة: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات.. احفظ الله يحفظك..»
في ذلك الموقف، خاطب النبي ﷺ عقل ابن عباس أولًا، وبنى له تصورًا ذهنيًا عن سنن الله في الكون: أن النظام محكم، وأن الطمأنينة ليست صدفة، وأن النصر له أسباب، وأن الله قريب بطريقة يفهمها العقل قبل أن يستشعرها القلب.
وهذا هو الباب الذي يناسب غلامًا تدهشه العلاقة بين السبب والنتيجة، ويجذبه عالم المعاني المحكمة أكثر من عالم الانفعالات الآنية.
الإيمان.. بين التجربة الحسية والقواعد التشريعية
وفي السيرة أنماط أخرى للنبي ﷺ يراعي فيها اختلاف المداخل:
الإيمان بالتجربة الحسية
بعض الأطفال لا يفتح لهم الكلام بابًا؛ هؤلاء يحتاجون أن يروا. ولأجلهم، كان النبي ﷺ يعلّم بالفعل قبل القول: يصلي أمامهم، يشركهم في موقف، ويجعلهم يعيشون قيمة الصدق أو الرحمة بأنفسهم. هؤلاء يكتشفون الإيمان بالحركة… بالمعايشة.
فحين رأى النبي ﷺ طفلًا يراقب كيف يأكل الناس من الطعام، لم يكتفِ بالتوجيه المجرد، بل أدخله في التجربة؛ قال له ﷺ برفق وتعليم عملي: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
بهذا المشهد البسيط، تعلّم الغلام الإيمان بالتجربة في أدق تفاصيل الحياة، من خلال الفعل والمشاركة لا الوعظ. وهذا هو الباب الذي يناسب من يفهم بيديه قبل أذنيه، ويتعلّم حين يعيش القيمة لا حين يسمعها فقط.
الإيمان بالقواعد والتشريعات
وهناك من لا ينسجم مع الدافع اللحظي، بل يحتاج إلى طريق واضح، وخطوات متتابعة، وزمنٍ يُبنى فيه اليقين بالتدرّج. هذا النمط من الأبناء يرتاح إلى المتابعة، ويأنس بالانتظام، ويملك قدرة على المطاولة والنَّفَس الطويل حين يرى أن الطريق منضبط وله معالم ثابتة.
ومن أجمل الشواهد على هذا المدخل ما نراه في سيرة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ فقد لم يكن أكثر الصحابة سؤالًا، ولا أسرعهم اندفاعًا، لكنه كان من أطولهم نَفَسًا في الاتباع.
كان يراقب أفعال النبي ﷺ بدقة، ويتتبعها في حياته اليومية، لا ليحكيها، بل ليعيشها: يقف حيث وقف، ويسير حيث سار، ويكرر الفعل ذاته في الموضع ذاته، سنواتٍ بعد وفاة النبي ﷺ، دون ملل أو انقطاع.
هذا السلوك لا ينشأ عن الاستجابة الوقتية، ولا يستند إلى التفاعل العابر، بل يتشكّل عبر الالتزام والانتظام، ويترسّخ بطول النَّفَس والثبات. وهذا هو الباب الذي يناسب من يجد الطمأنينة في القواعد، ويُحسن البناء البطيء، ويصل إلى اليقين عبر المتابعة الدقيقة والمطاولة الصامتة.
كيف نقرأ مواضع الانبهار؟
حين يقف الطفل طويلًا أمام منظر طبيعي، أو ينشغل بتأمل شيء صغير، أو يكرر سؤالًا ظاهره بسيط، فهو يكشف لنا ثلاثة أمور:
- ما الذي يحرك قلبه؟
- ما الذي يفتح عقله؟
- ما الذي يوقظ روحه؟
لا نحتاج إلى نظريات معقدة بقدر ما نحتاج إلى يقظة قلب وعقل؛ أن نكون حاضرين حين تشتعل شرارة الدهشة، وأن نلاحظ الباب الذي انفتح وحده دون إجبار.
وهذا ما فعله النبي ﷺ حين وجد طفلًا يبكي لفقد طائره؛ لم يعظه بالصبر، بل خاطب وجدانه ليطمئنه ويشعره بأن حزنه مفهوم ومحترم، فقال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»
فالطفل هنا يدخل إلى المعنى من باب الشعور، ومن رحم الوجدان تُبنى المداخل الأعمق.
كيف نستخدم هذه المداخل في تربية الإيمان؟
إذا انبهر الطفل بالنظام.. نشرح له حكمة التشريع.
وإذا انبهر بالحركة.. فنجعل الدين تجربة يعيشها.
وإذا انبهر بالوجدان.. نجعل الإيمان رحمة وأمانًا.
وإذا انبهر بالفكر.. نفتح له أبواب السؤال والتأمل.
فالطفل الذي نهتدي إلى بابه، ننجح في إدخال النور إلى قلبه دون مقاومة، والإيمان الذي يُزرع عند بوابة الانبهار هو الإيمان الذي يبقى حين يكبر؛ لأنه لم يدخل إلى ذاكرته فقط، بل إلى روحه.
وهكذا ندرك أن الإيمان لا يُبنى بخطاب واحد ولا بأسلوب واحد، بل يتشكل في النفس عبر بوابات متعددة تلامس جوهر الإنسان حيثما كان.
ومهمة المربي ليست فرض الطريق، بل اكتشاف البوابة التي يدخل منها النور لكل ابن: ما الذي يهزّه؟ ما الذي يفتح قلبه؟ وما الذي يشعل الأسئلة في ذهنه؟
فلنربِّ أبناءنا على أن يبحثوا، ويتأملوا، ويشعروا، ويتحركوا...
فالإيمان ليس قيدًا على الروح، بل اتساعًا فيها، وليس تعليمات جامدة، بل حياة تُبنى على وعي بمعنى الوجود، وثقة بسنن الله، وطمأنينة ترافق الخطى في كل درب.