بقلم: أ.د. علي محيي الدين القره داغي

رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

أناشد القادة المخلصين، والعلماء الربانيين إلى عقد قمة لطرح مشروع أخلاقي ومبدئي ثابت يقدم لإنقاذ العالم من الانحطاط الأخلاقي، وانهيار المبادئ، وهيمنة الظلم الشامل، وخرم الفطرة.

 

وأطالبهم بالوقوف الموحد القوي ضد مشروع الديانة الإبراهيمية الهادف إلى تحطيم الدين، وما يُسمّى بمجلس السلام لإنهاء القضية الفلسطينية.

 

تمرّ معظم البشرية اليوم بأخطر انتكاسة أخلاقية، وأسوأ انهيار للمبادئ الإنسانية والثوابت الفطرية، في ظلّ الفساد الكبير، والعلوّ المفرط للصهاينة والمتصهينين، وما يحظى به ذلك من دعم مباشر من قوى الاستكبار العالمي.

 

وقد بلغ هذا الانهيار الأخلاقي والفطري، وانعدام المبادئ الثابتة في عالم السياسة، مستوى غير مسبوق، سواء على مستوى القوى الكبرى أو على مستوى النظام الدولي.

 

لقد شهدنا المآسي التي وقعت في غزة وما زالت، أمام مرأى ومسمع العالم، ودون أن تتفاعل معها القوى الكبرى المؤيدة للصهاينة، بل وقفت معهم بكل قوتها، مع أن ما ارتكبه الصهاينة المحتلون في غزة لم يسبق له مثيل في التاريخ: إبادة جماعية ممنهجة، وتدمير شامل للمباني والمستشفيات والمساجد والكنائس والمدارس، وقتل بأخطر وسائل التدمير الشامل، واستعمال الأسلحة المحرمة دوليًا، ثم القتل بالجوع والمرض، ثم القتل بالبرد عبر منع وسائل التدفئة والخيام وكل أدوات الحياة ووسائل العيش. إنها عمليات متنوعة للإبادة الجماعية، والقضاء على هذا الشعب المبارك، أهلنا في غزة، بشكل لا يوصف باللسان، لكنها مسجّلة عند الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، وهو يحاسبهم في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء: 227].

 

ومع كل ذلك تأتي أمريكا لتفرض على العالم ما يُسمّى بمجلس السلام، بأجندة خاصة يُراد من خلالها حصر القضية الفلسطينية في الجانب الاقتصادي والسياحي، وتجاوز إرادة الشعب الفلسطيني الذي جاهد وناضل منذ أكثر من مئة سنة لأجل تحرره واقامة دولته المستقلة على أرضه.

 

إن الأمة الإسلامية أمام خطر عظيم يهدد قضيتها الأولى: الأقصى وغزة والقضية الفلسطينية، إذا لم تتدارك أمرها بجميع الوسائل المتاحة للحفاظ على حيوية القضية وتحقيق غاياتها التي اتفقت عليها الأمة الإسلامية مع قادتها في السابق.

 

وضمن هذه الخطة لتصفية هذه القضية الجوهرية الكبرى، جاء مشروع الديانة الإبراهيمية، وهو صناعة دين جديد مُلفّق يجمع بين الأديان الثلاثة، ومع الهندوسية أيضًا، ليصبح الصهاينة جزءًا محوريًا في هذا المشروع، بل هم أصحابه الحقيقيون، بما يجعلهم مقبولين داخل ما يُسمّى الشرق الأوسط الجديد.

 

ونحن في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قد أصدرنا بيانًا مبكرًا في بيان مخاطر الديانة الإبراهيمية منذ بداية تأسيسها، من خلال ندوة علمية شارك فيها عشرات العلماء والمفكرين، انتهت إلى بيان خطورة هذا المشروع على الإسلام والمسلمين، وعلى القضية الفلسطينية.

 

ثم إننا أمام انهيار أخلاقي فظيع وخطير، وهو ما ظهر جليًا في قضية جزيرة إبستين. والأغرب من ذلك أن من يقود العالم اليوم يصرّح بأن القوانين والمبادئ الدولية لا تمنعه من اتخاذ أي قرار، وأن أخلاقي وحدها هي المعيار، فماذا يعني ذلك؟ وأين الحل؟

 

الحل في الأخلاق الإسلامية، أخلاق المبعوث رحمة للعالمين،

 

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 107].

 

إن كل ما يحدث في العالم من مظاهر الانحلال الأخلاقي، وغياب الثوابت، والسيولة في كل شيء، حتى في الفطرة، وانتشار الشذوذ، وغير ذلك، يدل بوضوح على أن العالم بأمس الحاجة إلى رسالة الإسلام العظيمة، الثابتة في العقيدة والأخلاق.

 

كما يدل على الأهمية القصوى للأخلاق، وأن الإنسان بدونها يصبح أدنى من الحيوان،

 

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [سورة محمد: 12].

 

ثم حكم عليهم بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [سورة الفرقان: 44]،

 

وقال في سورة الأعراف: ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: 179].

 

والسؤال: لماذا ينحدرون إلى هذا المستوى؟

 

 يجيب القرآن عن ذلك بأن همّ الكافرين المترفين في الدنيا هو التمتع بالجنس والمال والسلطان تمتعًا غير متناهٍ، حيث أنهم، حتى لو تمتعوا بأجمل شيء قالوا: هل من مزيد؟؟

 

وقد بين القرآن الكريم أن الإلحاد والترف يفسدان فطرهم الإنسانية، فلا يبقى لهم أي إحساس إلا بما يحقق اللذة في أقصى حدودها، ثم يصبحون مدمنين على الجنس فلا يشبعون، ومدمنين على الظلم فلا يشعرون بآثاره، ومدمنين على جمع المال فلا يملأ بطونهم إلا التراب، ولا يبالون بالحلال أو الحرام، بل صار معيارهم أن الحلال ما حل في أيديهم، والحرام ما مُنعوا منه بقوة مادية.

 

وهؤلاء كما وصفهم الله تعالى: ﴿كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، وأنهم غافلون عن الله تعالى وعن الإنسانية جمعاء.

 

ما حدث في جزيرة إبستين يخرج حتى عن حدود الخيال؛ أن يصل الإنسان إلى هذا المستوى من الانحطاط والانهيار الأخلاقي مع الفتيات الصغيرات والقاصرات، ومع النساء، مع أنهم لم يكونوا يفتقرون إلى الزوجات، ولا إلى القدرة على الزواج بأجمل النساء، لكنه فساد الفطرة، والترف الذي أعمى القلوب والأبصار.

 

دعوة لقمة عالمية إسلامية لأجل الأخلاق:

 

إنها دعوة ملحّة أوجهها إلى القادة المخلصين، والعلماء الربانيين، والمفكرين المصلحين، لعقد قمة إسلامية عالمية لطرح مشروع أخلاقي ومبادئ سامية، ينبثق عنها نظام عالمي جديد، قائم على القيم الأخلاقية الدينية.

 

وقد أثبتت التجارب التاريخية أن المبادئ عمومًا، والأخلاق خصوصًا، لم ولن يُمكن تطبيقها بعدلٍ ومساواةٍ وحفظٍ دائم إلا من خلال الدين الحق؛ لنثبت للعالم أجمع بأن الإسلام هو العدل، والرحمة للعالمين، وأنه الملجأ والملاذ الآمن للبشرية جمعاء.

قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سورة فصلت: 53].

 

والله المستعان.