بقلم: د. منذر عبد الكريم القضاة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
ترددت كثيرا قبل الشروع في كتابة هذا المقال، ولكن مع تسارع الأمر أصبح من الضروري بيان هذه المسألة.
بناءً على التطور الملفت لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بات الآن من الممكن التلاعب بالصور والفيديوهات على نحوٍ غير مسبوقٍ، حتى وصل الأمر إلى إعادة " إحياء " أشخاص متوفين بأسلوب رقمي من خلال تقنيات وخوارزميات، عبر تحريك صورهم، وإظهارهم مبتسمين أو متفاعلين، بل وأحيانًا في مشاهد تجمعهم بأشخاص أحياء.
بالرغم ما قد يُلبس هذا الفعل من غطاءٍ عاطفي أو إنساني، إلا أنه يثير إشكالات شرعية وأخلاقية ونفسية عميقة تستوجب التوقف عندها، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: المساس بحرمة الميت وكرامته
الأصل الشرعي المستقر أنَّ للميت حُرمة كحرمة الحي، وأنَّ كرامته مَصونة بعد وفاته كما كانت في حياته، والتصرف في صورة الميت على نحو يُظهره في أوضاع غير حقيقية، أو تعبيرات وملامح لم يخترها بنفسه، أو لم تقع حقيقة، يعد نوعًا من التعدي على هذه الحرمة، خاصة إذا اقترن ذلك بإظهار الضحك، والابتسام، أو الحركة أو التفاعل، وهي أمور لا يُدرى أصلاً حال الميت عند ربِّه فيها، ولا يجوز الجزم بها أو تمثيلها تمثيلًا مُوهمًا.
ثانيًا: الادعاء الضمني بما لا يُعلم
إنَّ إظهار الميت مبتسمًا أو ضاحكًا، أو في هيئة توحي بالرضا أو السعادة، وهو يضم ابنه أو ابنته على سبيل المثال يحمل في طياته ادعاءً ضمنيًا بحال هذا الميت في البرزخ، وهذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، والشرع نهى عن الخوض في الغيبيات بغير علم، لما في ذلك من تجاوز للحدود العقدية، وإيهام للناس بما لا دليل عليه.
ثالثًا: تجديد الحزن وتعطيل مسار التعافي
من الناحية النفسية والاجتماعية، فإنَّ إعادة إحياء صور الأموات رقميًا قد تؤدي إلى تجديد الأحزان بدل تسكينها، وربط القلب بصورة مصطنعة غير حقيقية تمنع التسليم بقضاء الله وقدره، والحكمة الشرعية من الصبر والاحتساب، والدعاء للميت، والصدقة عنه، تهدف إلى تحويل الحزن إلى عملٍ نافع، لا إلى اجترار الألم عبر وسائل تقنية قد تزيد التعلق المرَضِي بالمفقود.
واعترف هنا أنني قبل أشهر عندما ظهرت هذه التقنية، وفي لحظة ضعفٍ طلبت من ابنتي أن أظهر أنا وابني عمر الذي مات في حادث سير مفجع قبل حوالي خمسة عشر سنة وعمره أربع سنوات وأربعة أشهر طلبت منها أن تجعل لي صورة معه وأنا أضمه، وفعلاً تمَّ عمل هذه الصورة الرقمية والتي زادت من حزني على وفاة ابني.
رابعًا: فتح باب التلاعب والتزييف
اعتقد جازماً أنَّ التساهل في هذا الباب قد يفتح المجال أمام تزييف الوعي، واستعمال صور الأموات في سياقات قد تكون غير لائقة، أو لأغراض تجارية أو إعلامية أو حتى سياسية، دون القدرة على ضبط النوايا أو التحكم في المآلات، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في حفظ الكرامة الإنسانية وسد الذرائع المؤدية إلى الفساد.
وبتقليد لمواقع أجنبية أصبح بعضهم يتنقل من زمن إلى زمن يلتقي بشخصيات كانت مؤثرة في زمنها، كما أصبحت صور الأموات الذين قتلوا في المعارك تطل علينا في الفيديوهات، وصور علماء ماتوا منذ سنوات طويلة أصبحت تظهر لنا.
نعم قد تكون النوايا والمقاصد طيبة لكن لا نعلم مآلات الأمر مستقبلاً وماذا يمكن أن يحدث أيضا.
خامسًا: الموقف الشرعي المتوازن
لا يعني هذا الطرح الذي أقدمه والذي قد يواجه بعضهم بالاعتراض أنني أرفض التقنية من حيث هي؛ لكن الذكاء الاصطناعي أداة، وحكمها يدور مع استعمالها.
والواجب هو إخضاعها للضوابط الشرعية والأخلاقية، وألا تُستعمل فيما يمس العقيدة، أو انتهاك حرمة الميت، أو يوقع الأحياء في أذى نفسي أو التباس ديني.
إنَّ البديل المشروع والأنفع هو إحياء ذكرى الأموات بالدعاء لهم، ونشر سيرتهم الحسنة، والاقتداء بأعمالهم الصالحة، والتصدق عنهم لا بمحاكاة صورهم تمثيلًا موهمًا.
إن التقدم التقني، مهما بلغ، لا يجوز أن يسبق القيم، ولا أن يتجاوز حدود الشرع والإنسانية.
وأخيرا: إنَّ إعادة إحياء الأموات رقميًا، وإن بدا للبعض تعبيرًا عن الشوق أو الحنين، إلا أنه يحمل في جوهره محاذير شرعية ونفسية وأخلاقية جسيمة. ومن الواجب على العلماء والفقهاء والدعاة توعية الناس بهذه المخاطر، وترسيخ ثقافة تحترم الموت كما احترمت الحياة، وتوازن بين العقل والتقنية، وبين العاطفة والانضباط الشرعي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.