في الزنازين المعتمة، لا ينتظر الأسرى هلال رمضان، ولا يعلّقون على الجدران تقويماً للأيام. هناك، يصبح الجوع طقساً يومياً، ويغدو الصيام قَدَراً دائماً لا موسماً عابراً. شهادات الأسرى المحررين، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة عن الإحاطة بجوهر العذاب القابع في معتقلات الاحتلال، فما يخرج إلى العلن ليس سوى شظايا من حقيقة مهولة، وألمٍ ينهش الروح والجسد معاً.
فالسجّان، كما يروي محررون، لا يكتفي بإيذاء الجسد، بل يمارس ما يصفه حقوقيون فلسطينيون بـ"هندسة السحق"، حيث يتحول الحرمان المركب إلى أداة قتل بطيء. وبينما تنجح المؤسسات الحقوقية أحياناً في توثيق الكدمات والكسور، تبقى الندوب النفسية حبيسة الصدور، بلا عدّاد أو تقرير طبي.
يفوق قدرة العقل على التصور
يختصر الأسير المحرر إسلام أحمد، الذي اعتُقل نهاية ديسمبر 2024 عقب حصار مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة، تجربته داخل السجون بالقول إن ما شهده "يفوق قدرة العقل على التصور”.
ويضيف أن التعذيب الجسدي تمثل في التنكيل بالمعتقلين وهم مكبلو الأيدي والأرجل، والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، فيما كان التعذيب النفسي الأقسى، حين تعمد السجانون إبلاغ الأسرى بمقتل أفراد من عائلاتهم، في محاولة لدفعهم إلى الانهيار الكامل.
ويشير إلى تضييق غير مسبوق شمل منع إدخال أبسط المستلزمات الشخصية، كآلات الحلاقة ومقصات الأظافر، مضيفاً: "قد يصادرون ماكينة الحلاقة بعد حلق جزء من الشعر، في صورة إذلال متعمدة”.
أما الطعام، فكان – وفق أحمد – أداة قمع ثابتة، لا سيما في رمضان: "كانوا يجلبون الطعام قبل موعد الإفطار، ثم يقتحمون الغرف ويصادرونه بعد الاعتداء علينا بالضرب". ويوضح أن ما يُخصص للأسير لا يتجاوز ملعقة واحدة من التونة أو اللبنة ونصف ملعقة من المربى، "بما يبقيه على قيد الحياة فقط”.
أمضى أحمد عشرة أشهر في السجن، يؤكد خلالها أن الزيارات مُنعت بالكامل، بما فيها زيارات المحامين، فيما اقتصر العلاج على مسكنات أو جرعات غير مناسبة.
غاز وكلاب وفقدان للوزن
يتحدث الأسرى المحررون عن وسائل قمع جماعية، بينها استخدام الغاز ورذاذ الفلفل ومواد حارقة خلال اقتحام الغرف، وإطلاق الشتائم والإهانات الدينية، وإجبار المعتقلين على خلع ملابسهم في أجواء شديدة البرودة.
كما تترك الإضاءة مشتعلة على مدار 24 ساعة، فيما توصف أماكن الاحتجاز بأنها ليست سجونا تقليدية، بل معتقلات مخصصة للتحقيق والتعذيب، بعضها "بركسات" حديدية أشبه بالحظائر، لا يُسمح فيها للأسير بدخول الحمام إلا مرة واحدة يومياً.
في مرحلة التحقيق، يروي أحمد أن المعتقلين يُقيدون لساعات تتجاوز 12 ساعة يومياً على كراسٍ منخفضة، ولمدد قد تصل إلى 20 يوماً متواصلة، ما يخلّف آلاماً حادة في الظهر والمفاصل، فيما تستهدف بعض أساليب التعذيب الصدر والعمود الفقري مباشرة.
أما المحاكمات، فيصفها بأنها "صورية"، تُعقد عبر الهاتف المحمول، بتهم وأحكام جاهزة، مثل: الانتماء لتنظيم سياسي أو التوقيف حتى نهاية الحرب، دون إجراءات قانونية حقيقية.
ويؤكد أن مؤسسات دولية، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لم تتمكن من الوصول إليهم، ليبقى المعتقلون في عزل كامل عن العالم.
الأسير المحرر أحمد شقورة، الذي أمضى 14 شهراً في الاعتقال خلال الحرب على غزة، يقول إن التعذيب يبدأ منذ لحظة الاعتقال ولا يتوقف حتى الإفراج. ويشير إلى أن الوجبات الثلاث اليومية لا تكفي طفلاً صغيراً، مؤكداً أن سياسة التجويع كانت من أسوأ أشكال التضييق، إلى جانب الحرمان من العلاج.
خرج شقورة من السجن مصاباً في الركبة، وبكسور في الأضلاع وأحد الأسنان، إضافة إلى كدمات وجروح نتيجة الضرب المتكرر، فضلاً عن معاناته من الحرمان من النوم وانعدام الفراش والمياه الساخنة.
رمضان طوال السنة
في الضفة الغربية، تتشابه ظروف الأسرى، وإن كانت أكثر قسوة بحق معتقلي غزة، بحسب شهادات محررين. المعتقل "أ.س"، الذي اعتُقل بعد بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023 وأمضى قرابة عامين في الاعتقال الإداري متنقلاً بين سجون عدة، عاد بجسد نحيل فاقداً نحو 60 كيلوجراماً من وزنه.
عن رمضان داخل السجن، يجيب بثلاث كلمات: "رمضان طوال السنة"، موضحا أن الأسرى يجمعون وجباتهم الشحيحة – شرائح خبز أو ملاعق أرز وملعقة صغيرة من اللبنة أو المربى – لتكون إفطاراً غير مشبع.
ولا يعرف الأسرى الوقت بدقة، فيصلّون وفق تقديرهم لحركة الشمس. ينظرون من ثقب صغير نحو بقعة مكشوفة، وبعد اختفاء الشمس بثلاث دقائق يتناولون طعامهم، إن لم تداهمهم قوات القمع وتصادره.
أما الأذان وصلاة التراويح والسحور فهي ممنوعة، وفي حال اعتُبر الصوت مرتفعاً، تقتحم القوات الغرف بالغاز والكلاب البوليسية، وتعتدي على الأسرى بالضرب، مخلفة إصابات بليغة.
وفق معطيات حقوقية، يُقدّر عدد الأسرى بنحو 9300، بينهم نحو 1500 من غزة، موزعين على قرابة 30 مركز احتجاز، بين سجون تابعة لمصلحة السجون ومعسكرات أنشأها الجيش بعد 7 أكتوبر 2023.
بعد 7 أكتوبر: التعذيب نهج دائم
يشير حقوقيون إلى أن طبيعة التعذيب تغيّرت بعد هذا التاريخ؛ فبعد أن كان يتركز في مرحلة التحقيق، أصبح نهجاً دائماً يلازم المعتقل طوال فترة احتجازه. وتفشت سياسات التجويع والحرمان من الزيارات والعلاج، فيما بات الإهمال الطبي أحد أخطر أدوات الانتهاك، مع تسجيل حالات بتر أطراف أو فقدان بصر.
من جهته، يقول مدير مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية "حريات"، حلمي الأعرج، إن التعذيب بات يُمارس بقرار ومشاركة من حكومة الاحتلال، مشيراً إلى دور وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يتفاخر – وفق قوله – بإجراءاته داخل السجون.
ويؤكد الأعرج أن زيارات العائلات ما زالت ممنوعة منذ 7 أكتوبر، وكذلك زيارات الصليب الأحمر، ليبقى الأسير في "عزل شامل". ويصف التجويع بأنه منع للطعام كمّاً ونوعاً دون الحد الأدنى، بهدف الإبقاء على الأسرى أحياء فقط، مستشهداً بما يظهر على أجساد المحررين من فقدان حاد في الوزن، وبإقرارات رسمية حول استخدام هذه السياسة للردع.
عائلات تحت وطأة القلق
لا يتوقف الألم عند الأسير، بل يمتد إلى عائلته. تعيش عائلات كثيرة قلقاً مضاعفاً بسبب الإخفاء القسري، خاصة لأسرى غزة، وشح المعلومات، ومنع الزيارات، إضافة إلى اقتحام المنازل والتنكيل بها عند الاعتقال أو حتى بعد الإفراج.
وحتى مطلع فبراير تشير المعطيات إلى وجود نحو 350 طفلاً و56 أسيرة بين الأسرى، و1249 معتقلاً مصنفين "مقاتلين غير شرعيين"، فيما يبقى عدد معتقلي غزة في المعسكرات العسكرية غير معلوم.
في المحصلة، لا يحمل رمضان في السجون أي خصوصية. الجوع واحد، والليل طويل، والإضاءة لا تنطفئ. هناك، يصبح الصيام شكلاً من أشكال الصمود، وتتحول لقمة الخبز إلى فعل مقاومة، فيما يظل السؤال مفتوحاً: كم من الألم يمكن أن يحتمله جسد، قبل أن ينكسر؟