تتجه الأنظار إلى شرق البحر المتوسط مع اقتراب "أسطول الصمود العالمي" من المياه المحيطة بقطاع غزة، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز البعد الإنساني، وتضع مجددًا سياسة الحصار الصهيوني تحت اختبار دولي، وسط مؤشرات على استعداد تل أبيب لاعتراض السفن ومنعها من الوصول إلى القطاع.

وفي وقت يرفع فيه نشطاء من عشرات الدول شعار كسر الحصار وإيصال المساعدات، تعكس تحركات سلطات الاحتلال المرافقة، سياسيًا وأمنيًا، تمسكًا بفرض السيطرة على طرق الإمداد إلى غزة، استنادًا إلى نهج قائم منذ سنوات يقوم على اعتراض السفن ومنع أي مبادرات بحرية خارج القنوات التي تفرضها.

وانطلق الأسطول، الذي يضم عشرات السفن ومئات الناشطين، من سواحل إيطاليا الأحد الماضي، بعد مسار تحضيري بدأ من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 إبريل، مرورًا بجزيرة صقلية، حيث انضمت إليه سفن إضافية قبل الإبحار نحو شرق المتوسط.

وتشير المعطيات إلى أن الأسطول وصل حاليًا إلى محيط جزيرة كريت اليونانية، مع توقعات بوصوله إلى مشارف غزة نهاية الأسبوع.

وبحسب تقديرات صهيونية، يضم الأسطول نحو ألف ناشط من مختلف الجنسيات، فيما يتراوح عدد السفن المشاركة بين 58 و65 قاربًا، مع انضمام سفن دعم من منظمات دولية، بينها سفينة تابعة لمنظمة "جرينبيس".

في المقابل، عقد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الأربعاء، مشاورات مع وزراء المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، لبحث سبل التعامل مع الأسطول، في خطوة تعكس جدية الاستعداد لاعتراضه.

وأعلن وزير جيش الاحتلال كاتس فرض عقوبات على الجهات الداعمة للحملة، زاعما أن حماس تقف وراء تنظيمها، وأن الخطوة تأتي ضمن ما وصفه بـ"الحملة الاقتصادية" التي تقودها المؤسسة الأمنية الصهيونية، بمشاركة الولايات المتحدة، ضد محاولات "زعزعة الاستقرار" في غزة.

كما زعم كاتس أن الأسطول ينتهك قرارات دولية تقضي بإدخال المساعدات عبر قنوات رسمية، بقوله أنه يعرقل جهود التسوية التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومؤكدًا أن العقوبات تهدف إلى تجفيف مصادر تمويل الحملة.

ويعيد هذا التصعيد إلى الواجهة سجلًا طويلًا من اعتراض الاحتلال لأساطيل وسفن حاولت كسر الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007، أبرزها الهجوم على "أسطول الحرية" عام 2010 في المياه الدولية، والذي أسفر عن استشهاد عدد من المتضامنين، غالبيتهم أتراك، وأثار حينها أزمة دبلوماسية واسعة.

كما تكررت عمليات الاعتراض في السنوات اللاحقة، عبر السيطرة على سفن واعتقال ناشطين دوليين وترحيلهم، في إطار سياسة ثابتة تمنع أي كسر فعلي للحصار البحري المفروض على القطاع.

وفي السياق ذاته، تعرّضت أولى مبادرات "أسطول الصمود العالمي" في سبتمبر 2025 لهجوم صهيوني خلال إبحارها في المياه الدولية، قبل أن يتم اعتقال مئات الناشطين على متنها وترحيلهم لاحقًا، ما يعزز المخاوف من تكرار السيناريو ذاته مع المهمة الحالية.

ويؤكد ناشطون مشاركون في الأسطول أن تحركهم يأتي في ظل ما يصفونه بعجز الحكومات عن وقف الحرب أو إدخال المساعدات، إذ قال الناشط التركي علي دنيز إنه يأمل في الوصول إلى غزة "والالتقاء بالأطفال هناك"، فيما شددت ناشطة إيطالية على أن المبادرة تمثل تحركًا مدنيًا لسد فراغ العمل الرسمي.

من جهته، قال ناشط ألماني شاب إن مشاركته تعبير عن رفضه لما وصفه بـ"التواطؤ الدولي" إزاء ما يجري في غزة، مؤكدًا أنه لم يعد قادرًا على تجاهل ما يراه انتهاكات جسيمة.

ويأتي تحرك الأسطول في ظل أوضاع إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، الذي يخضع لحصار صهيوني منذ عام 2007، فيما تسببت الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 في دمار واسع للبنية التحتية، وتشريد مئات آلاف الفلسطينيين، وسط قيود مشددة على دخول الوقود والمساعدات الطبية والغذائية.

وبينما يقترب الأسطول من وجهته، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت قوات الاحتلال ستكرر سيناريوهات الاعتراض السابقة، أم أن الضغوط الدولية قد تفرض واقعًا مختلفًا هذه المرة، في ظل تصاعد الانتقادات لسياستها في إدارة الحصار على القطاع.