شهد قطاع غزة خلال الأيام الأخيرة تصعيدا كبيرًا في وتيرة الجرائم التي تنفذها قوات الاحتلال الصهيوني، شملت عمليات قتل جماعي واغتيالات، بالتزامن مع تصريحات صهيونية رسمية تؤكد التوجه نحو توسيع السيطرة العسكرية داخل القطاع وإعادة طرح خطط تهجير الفلسطينيين.

تزامنت أعنف موجات القصف الصهيوني مع عشية عيد الأضحى وأيامه الأولى، في سياق يعكس سياسة تستهدف تقويض أي مظاهر للحياة الطبيعية، بما في ذلك المناسبات الدينية.

وللعام الثالث على التوالي، يستقبل سكان القطاع العيد في ظل القتل والتجويع والنزوح، وسط انهيار متسارع لمقومات الحياة المدنية والاجتماعية، مع استمرار حرب الإبادة الجماعية.

أفعال الإبادة أداة للتطهير العرقي

يرى مدير عام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، المحامي راجي الصوراني، أن طبيعة الانتهاكات واتساع نطاقها يشيران إلى سياسة ممنهجة تستخدم أفعال الإبادة الجماعية كأداة لفرض التطهير العرقي.

ويؤكد أن التصريحات الصادرة عن المستويين السياسي والعسكري في كيان الاحتلال تمثل إقرارا واضحا بسياسات تهدف إلى خلق واقع معيشي يستحيل معه بقاء السكان، عبر استهداف وجودهم المادي وتدمير شروط حياتهم، بما يمهد لتهجير قسري محظور دوليا.

وقائع ميدانية

في تفاصيل الوقائع الميدانية، وثق المركز الحقوقي في بيان له سلسلة من الهجمات خلال المدة من 25 إلى 28 مايو 2026. في خان يونس، قصفت طائرات الاحتلال أرضا زراعية وبركسا للخضروات بعد إنذار بالإخلاء، ما أدى إلى دمار واسع وإصابات. وفي دير البلح، استهدفت غارة جوية مربعا سكنيا قرب مستشفى شهداء الأقصى بعد تحذير مماثل، ما أسفر عن تدمير منزلين وأضرار واسعة في المنازل المجاورة ومسجد ومركبات مدنية، إضافة إلى إصابات بين السكان.

وفي مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تكرر النمط ذاته، حيث أُجبر السكان على إخلاء منازلهم قبل دقائق من قصف المنطقة، ما أدى إلى تدمير واسع في الأبنية السكنية وسط حالة هلع ونزوح جماعي متكرر في ظل غياب أي مناطق آمنة.

في حادثة أخرى، استهدفت طائرات الاحتلال مبنى سكنيا يؤوي عائلات نازحة وسط مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد عشرة أشخاص بينهم أطفال ونساء ومسن، وإصابة نحو ثلاثين آخرين.

وأفادت المعطيات بأن بعض الضحايا كانوا في خيام النزوح المحيطة بالمبنى، نتيجة تطاير الشظايا، فيما تعرضت جثامين عدد من القتلى لتفحم شديد.

كما استهدفت غارة جوية عمارة سكنية وتجارية في حي الرمال المكتظ بالسكان، قبل يوم واحد من عيد الأضحى، ما أدى إلى استشهاد ستة مواطنين بينهم نساء، وإصابة العشرات، إضافة إلى تدمير كامل للمبنى وأضرار كبيرة في المحال التجارية والبنية التحتية وشبكات الاتصالات والكهرباء.

وفي سياق متصل، قتلت غارة بطائرة مسيرة شخصين كانا يستقلان مركبة مدنية جنوب غربي خان يونس. وفي مخيم المغازي، نفذت قوات مرتبطة بالاحتلال عملية ميدانية انتهت بإعدام أحد المواطنين بعد تقييد يديه، إلى جانب استشهاد أربعة آخرين في قصف استهدف تجمعا مدنيا، وإصابة عدد من السكان.

كما استهدفت غارة خيمة نازحين في مواصي خان يونس، ما أدى إلى استشهاد طفلة وامرأة وإصابة أكثر من عشرين شخصا، توفيت لاحقا طفلة متأثرة بجراحها.

بالتوازي مع هذا التصعيد الميداني، أعلن رئيس حكومة الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو توجيه الجيش للسيطرة على 70 في المائة من أراضي قطاع غزة، بعد أن وصلت السيطرة إلى 60 في المائة، وفق تصريحاته. كما سبق ذلك حديث لوزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس عن تنفيذ خطة لما وصفها بالهجرة الطوعية من غزة.

يرى خبراء أن تزامن الهجمات العسكرية المكثفة مع هذه التصريحات يكشف عن سياسة متكاملة تهدف إلى تفريغ القطاع من سكانه عبر القتل والتجويع والتدمير، وفرض واقع قسري يدفع المدنيين إلى النزوح أو الرحيل.

ويؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن وصف هذا الواقع بالهجرة الطوعية يتعارض مع القانون الدولي، ويشكل في جوهره جريمة تهجير قسري مكتملة الأركان.

صمت مجلس السلام!

واستهجن الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم الصمت المطبق لما يُسمّى بمجلس السلام ومديره التنفيذي نيكولاي ميلادينوف تجاه التصريحات الخطيرة الصادرة عن حكومة الاحتلال بشأن السيطرة على 70% من مساحة قطاع غزة، ومواصلة العمل على مخطط تهجير أبناء الشعب الفلسطيني، معتبراً أن ذلك يشكّل انتهاكاً صريحاً لخطة وقف الحرب والتفاهمات المعلنة بشأن القطاع.

وشدد قاسم في تصريحات مساء الجمعة على أن تجاهل هذه التصريحات العدوانية وعدم إدانة سياسات الاحتلال التوسعية ومخططات التهجير القسري يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الأطراف الراعية بإلزام الاحتلال بتعهداته ووضع حد لانتهاكاته وخروقاته المتواصلة.

ودعا الناطق باسم حركة حماس الدول الشقيقة والصديقة الممثلة في مجلس السلام إلى إعلان موقف واضح وصريح من تهديدات الاحتلال وخروقاته المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، واتخاذ خطوات عملية للضغط عليه لوقف سياساته العدوانية ومخططاته الرامية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.

وسط كل ذلك، تعيش الغالبية من سكان قطاع غزة على حافة مفارقة قاسية تجمع بين التمسك بالحياة والخوف الدائم من القادم، حيث يتمسك الناس بما تبقى من تفاصيل يومية بسيطة رغم اتساع دائرة الخطر وانعدام الأمان، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار النفسي والاجتماعي.

في المقابل، يفرض تصاعد القصف واتساع العمليات العسكرية حالة ترقب ثقيل، حيث لا تبدو ملامح الأيام المقبلة واضحة، وبين هذا وذاك، يستمر المدنيون في إدارة حياتهم تحت ضغط مركب من الصمود والقلق المستمر.