يلاحق الاحتلال الصهيوني الفلسطينيين حتى بعد مماتهم، وصولاً إلى القبر، فينغّص على عائلاتهم حتى لحظات حزنها، ويجبرها على التنسيق المسبق عبر الإدارة المدنية الفلسطينية مع الارتباط العسكري الصهيوني قبل دفن الذين فقدوهم في مقابر مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة. ويتكرّر الأمر منذ أكتوبر 2023، في ظلّ منع الاحتلال الفلسطينيين من إقامة الجنازات وتشييع موتاهم بصورة طبيعية مثلما كانت الحال قبل الحرب الأخيرة على قطاع غزة.

ويُجبر الاحتلال، منذ عامَين ونصف العام، سكان مدينة الخليل على تقديم طلب مسبق قبل دفن موتاهم في مقبرة "الرأس" الواقعة إلى شمال شرق الحرم الإبراهيمي في البلدة القديمة من الخليل والمحاذية لمستوطنة "كريات أربع"، وكذلك في مقبرة "الكرنتينا" الواقعة إلى جنوب الحرم والمحاذية لمستوطنات "تل الرميدة" و"إبراهيم أفينو" و"بيت هداسا".

وتنتشر في محيط المقبرتَين المذكورتَين نقاط عسكرية ودوريات راجلة وآليات لجيش الاحتلال، بحجّة تأمين حركة المستوطنين في البلدة القديمة، فيما تُفرَض قيود مشدّدة على حركة الفلسطينيين. ويحدّد الاحتلال، بعد إتمام عملية التنسيق للدخول إلى المقبرة، أعداد المشيّعين من عائلات الموتى، كذلك يمنحهم وقتاً محدوداً لدفنهم ووداعهم.

في هذا الإطار، يخبر الفلسطيني محمد أديب "العربي الجديد" أنّه شارك في تشييع جنازة أحد أقاربه قبل نحو شهرَين في مقبرة الكرنتينا، موضحاً أن مئات المشيّعين أتوا من وسط مدينة الخليل لكنّ قوات الاحتلال اقتحمت المكان بعد دخولهم إلى المقبرة، وأطلقت قنابل الغاز المسيّل للدموع في اتّجاههم وفرّقت جموع المشيّعين وأجبرتهم على المغادرة. يضيف أديب أنّ عائلات الفقيد تواصلت بعد ذلك مع الارتباط الفلسطيني، الذي تواصل بدوره مع الجانب الصهيوني، قبل أن يُعاد السماح لهم بدخول المقبرة، مع تحديد عددهم بـ15 شخصاً فقط.

ويقول أديب إنّ الأمر حرق قلوب أفراد العائلة، بعدما حُرموا من وداع فقيدهم قبل دفنه؛ هم اضطرّوا إلى الوقوف على بعد أكثر من 500 متر، يتفرّجون على مراسم الدفن من دون أن يتمكّنوا من الاقتراب، وذلك من دون أيّ مبرّر، باستثناء تعمّد الاحتلال إفساد الوداع الأخير. ويبيّن أنّ عملية الدفن جرت بعد صلاة يوم جمعة، في منطقة تبعد نسبياً عن حركة المستوطنين التي كانت شبه معدومة في ذلك اليوم، غير أنّ الاحتلال يواصل التذرّع بـ"الحالة الأمنية في المنطقة".

وتُبرَّر دقّة الوضع الأمني بكون المقبرة تطلّ على سوق حسبة الخليل القديم، الذي يسيطر عليه المستوطنون. ويلفت إلى أنّ نحو عشرة من جنود جيش الاحتلال حاصروا مداخل المقبرة، مدجّجين بالسلاح، وقد أشهروه في وجه المشيّعين، وهدّدوهم بإطلاق النار عليهم في حال اقتربوا من المقبرة. إلى جانب ذلك، لم يمنحوا عائلات الفقيد إلا نصف ساعة فقط لدفنه ووداعه.

من جهته، يقول مدير شئون وقف الخليل لدى وزارة الأوقاف والشئون الدينية االفلسطينية منجد الجعبري إنّ الدفن في مقبرة الرأس الواقعة بين الحرم الإبراهيمي وحارة الجعبري بات بالغ الصعوبة، خصوصاً منذ شهر سبتمبر 2025، حين استولى المستوطنون على منزل وسط الحارة، وصاروا يتحرّكون دورياً بين المنزل ومستوطنة "كريات أربع" الملاصقة للحارة من الجهة الشرقية.

ويؤكد الجعبري أنّ هذه الحارة تُعَدّ الطريق شبه الوحيد الذي تمرّ منه الجنازات، الأمر الذي دفع الاحتلال إلى فرض قيود إضافية تشمل منع ركن المركبات على امتداد هذا الطريق، إلى جانب تقييد أعداد المشيّعين وحصرهم بنحو 45 شخصاً فقط. يضيف أنّ كاميرات مراقبة زُرعت على طول هذا الطريق المؤدّي إلى المقبرة، عقب الاستيلاء على المنزل، كذلك تنتشر على طرفَيه لافتات إرشادية خاصة بالمستوطنين.

ويوضح مدير شئون وقف الخليل لدى وزارة الأوقاف والشئون الدينية االفلسطينية أنّ "الطريق إلى المقبرة والحارة تحوّل من ممرّ فلسطيني خالص إلى طريق أساسي للمستوطنين، أمّا نحن فممنوع على أيّ منّا الوصول إلى المقابر إلا بتنسيق مع الجانب الآخر عبر الارتباط الفلسطيني"، مؤكداً أنّ "الاحتلال يتحكّم بالمقبرة والطريق، وأيّ مستوطن يدخل الحارة بحماية آليات الاحتلال، يتعمّد الاصطدام بمركبات الفلسطينيين لتخريبها".

ويُلزَم الارتباط الفلسطيني، قبل أيّ عملية دفن، بتحديد موقع ذلك بصورة دقيقة، عبر تطبيق خرائط إلكتروني، من خلال علامة تُرسَل إلى الجانب الصهيوني. وفي الردّ يُحدَّد الاحتلال عدد المشيّعين ومدّة التشييع، التي لا تتجاوز في الغالب نصف ساعة، وفقاً لما يشرحه الجعبري. ويلفت إلى أنّ "في حال زاد أعداد المشيّعين عن الحدّ المفروض من الصهاينةً، فإنّ جيش الاحتلال يُطلق قنابل الغاز لتفريقهم أو يقتحم مراسم التشييع لطردهم".

ويصف الجعبري هذا الواقع بأنّه غير مسبوق، مشدّداً على أنّ "كرامة الفلسطيني مُهانَة من الاحتلال وهو حيّ، وكذلك وهو ميت"، لافتاً إلى أنّ الناس صاروا يبحثون عن "مقابر في مناطق بعيدة يتوفّر الأمن فيها، مع العلم أنّ الاحتلال يقتحم المقابر التاريخية في الخليل". ويؤكد أنّ "قيود الاحتلال وملازمة جيشه الجنازات وحصاره الناس لحظة التشييع"، كلّ ذلك يدفع فلسطينيي الخليل إلى "البحث عن مقابر جديدة".

ويتحدّث الجعبري عن مقبرة الكرنتينا الممتدّة، التي تلتقي حدودها مع شارع "السهلة" المغلق منذ أكثر من 30 عاماً، والتي وضع عشرات المستوطنين يدهم عليها واتّخذوها طريقاً لعبور مركباتهم، مبيّناً أنّ الاحتلال يمنع أعمال الدفن في المنطقة المحاذية لجدار المقبرة بحجّة أنّها "تطلّ على الشارع خلال عبور المستوطنين".

ويشير الجعبري إلى أنّه اتُّفق في وقت سابق، بين الارتباط الفلسطيني وذلك الصهيوني، على بناء جدار يفصل بين المقبرة والشارع على نفقة الفلسطينيين، في مقابل توقّف التنسيق الأمني بخصوص المقابر ودفن الناس بـ"ارتياح"، لكن الاحتلال تراجع عن تلك الموافقة بعد المباشرة بالمشروع والبدء ببناء الجدار.

وتقع مقبرتا الكرنتينا والرأس في المنطقة المصنّفة "إتش 2" وفقاً لبروتوكول إعادة الانتشار (اتفاقية الخليل 1997)، وهي المنطقة الخاضعة للسيطرة الأمنية الصهيونية فيما تحاصرها خمس مستوطنات عند أطرافها ووسطها، وتشهد باستمرار عمليات تهويد عبر الاستيلاء على المنازل ونصب حواجز بين الأحياء المغلقة.