وائل قنديل

حزمة من رسائل الرعب حملتها احتفالية الإعلان عن هجرة الدولة المصرية من شعبها وعاصمتها التاريخية إلى مكان آخر، بعيد ومنعزل وغريب في المبنى والمعنى يسمّى"الأوكتاجون"، تقليداً ومحاكاة عمياء لمبنى"البنتاجون" الأمريكي، على الرغم من الفروق الهائلة في المنطلقات والوظائف. بحسب منطوق الجنرال المرصّع بأوزان ضخمة من النياشين والرتب أول من أمس فإن مشروع "الأوبتاجون" المصري يتجاوز فكرة مقرٍّ جديدٍ للهيئات العسكرية بعيداً عن الجماهير، إلى إقامة سور عازل بين الدولة كلها وهذه الجماهير، بدافع الخوف من غضبٍ محتمل، يسكن مثل كابوس مقيم في عقل الحاكم الذي يطلّ بكامل زينته العسكرية، معلناً: هذه الدولة عسكرية، ولن تكون غير ذلك.

ثمة مفارقة في التعبير عن القطيعة مع الجماهير بالانعزال في عاصمة بعيدة، في اللحظة التي يتم فيها حشد هذه الجماهير وتعبئتها سياسيّاً وإعلاميّاً خلف فريق الكرة الذي يلعب في كأس العالم، واستثمار هذه الهستيريا، مثل العادة، في تصنيف الجماهير إلى أخيار وأشرار، وطنيين وخونة، تبعًا للموقف من القائد الأعلى للفريق، الذي يتحوّل في هذه اللحظة المجنونة إلى"الوطن" أو"الوثن". من يختلف معه ويعارضه خائن وكافر بوطنه، تماماً مثل قسمة الشعب إلى طيبين وأشرار، ينبغي تخبئة الدولة منهم في قلعة محصّنة ذات أسوار وبروج لا يصل إليها بشر.

يقول الجنرال السيسي أمام الكل:"اسمحوا لي أقول لكم ليه القيادة الاستراتيجية موجودة في العاصمة الجديدة. لأن في يوم من الأيام تم حصار المحكمة الدستورية، ومجلس الوزراء، وكانوا يهدّدون وزارة الدفاع، وكانوا بيحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي، حتى تُدار الأزمة تحت ضغط كبير جدّاً. وكان لا بد أن تخرج الدولة من العاصمة، وألا يتكرّر هذا الأمر مرّة أخرى. وأنا بتكلم بمنتهى الصراحة، والكلام ده مش هيتكرّر تاني، والأشرار والإرهابيون مش هيبطّلوا، لكن خلاص دلوقتي محدش يقدر يعمل كده في مصر تاني".

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يتحدث فيها السيسي عن مصر الهاربة من الأشرار إلى ما يشبه "الجيتو" بعيداً عن عاصمتها وتاريخها وشخصيتها الحضارية، فقد ذكر المضمون نفسه في مارس 2026 في أثناء إفطار رمضاني مع الشرطة: "في 2011، كنت بشوف التليفزيون وهما بيهاجموا وزارة الداخلية في شارع محمد محمود، يمكن حدّ يستغرب قوي ويقول إنت بتستدعي ده ليه؟ إذا مكنّاش نتعلّم من كل.. من الدروس، أو نجيب دروس من كل موضوع بنتعرضله، يبقى إحنا مستفدناش من المشكلة أو من الأزمة أو من التحدّي اللي.. بيواجه الوطن، عشان ميتكرّرش تاني. وكان ساعتها، قُلت، كان وزير الداخلية، ربنا يدّيله الصحة، الوزير محمد إبراهيم، قُلتله لازم وزارة الداخلية تتنقل من القاهرة تيجي في حتّة.. في مكان تاني. ولازم الدولة تتحرّك من مكانها اللي موجودة فيه في القاهرة ده، إلى مكان تاني".

الإلحاح على مسألة أن "تتحرّك الدولة من مكانها" يتكرّر في كل مرّة مقروناً بتوصيف ثورة الشعب المصري في العام 2011 هي الشر المطلق، واعتبار أن جماهير هذه الثورة هي التعريف الوحيد للأشرار بحسب معجم "الأوكتاجون". وهي المسئولة عن كل كوارث الحاضر والمستقبل، بدءاً من انهيار العملة المحلية والاقتراض المجنون الذي حمّل الجيل الحالي وأجيالاً لم تولد بعد أعباء ديون أنفقت الدولة العسكرية معظمها على عملية تهريب مصر من عاصمتها التاريخية وشعبها الشرير إلى عاصمة محصّنة تستعصي على الغضب وعلى الهتاف، وتحرّك الدولة من جذورها الاجتماعية والتاريخية والثقافية إلى حيث لا توجد جماهير تعارض وتطالب وتحتجّ وتفكر في ارتكاب خطيئة حضارية اسمها التفكير في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

خمسة عشر عاماً من سحق "ثورة الأشرار" وقتلها وتعليق جثتها على الأعمدة والحوائط وقمصان المنتخب لم تكن كافية لكي يتخلّص الاستبداد المسيطر على كل البشر والحجر من مخاوفه من جماهير غائبة ومغيبة عن أي فعل، إلا الهتاف للفريق وقيادته الحكيمة. وكما قال أفلاطون"الطاغية يظل حبيس حشد هائل من المخاوف".. لكنه لم يكمل بالقول "ولو هرب بدولته إلى أعماق المحيط".

المصدر: العربي الجديد